الثلاثاء، 3 مايو 2016


الحركة الطلابية المغربية الذاكرة والتاريخ

عبدالعالي الصغيري
باحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية
كلية الآداب والعلوم الإنسانية مكناس

إن تناول الحركة الطلابية المغربية بالدرس والتحليل، يقتضي الوقوف عند أهم المراحل والمحطات التي مرت منها،  ومن أهم هذه المراحل ما يلي:
في مرحلة الاستعمار لم تكن الحركة الطلابية بالحجم الذي هي عليه الآن، سواء من حيث قاعدتها الطبقية أو من حيث المؤسسات التي تنشط بداخلها، فلم تكن في المغرب جامعة عصرية آنذاك، كانت فقط جامعتي "القرويين" و "إبن يوسف" العتيقتين، وكان عدد الطلبة بهما ضئيل، والغالبية العظمى من الطلبة كانت ذات أصول طبقية مالكة أو من أبناء الأعيان والتجار وأقطاب السلطة الكبار[1]. لقد ساهمت الحركة الطلابية في هذه المرحلة بشكل كبير في معركة المطالبة بالاستقلال من خلال "جمعية الطلبة المسلمين بشمال إفريقيا" المؤسسة سنة 1912، و"اتحاد الطلبة المغاربة" المؤسس سنة 1925، و"جمعية الطلاب المغاربة" المؤسسة سنة 1948، و"اتحاد الطلاب المغاربة بفرنسا" المؤسس سنة [2]1950؛ والتي ساهمت في الحفاظ على الهوية والثقافة المغربية ومقومات الحضارة التي حاول المستعمر طمسها، كما تخرج منها العديد من الأطر والكوادر التي قادت الحركة الوطنية[3].
في شهر دجنبر 1927 تأسست في باريس جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين، وكانت تضم طلاب أقطار المغرب الكبير (تونس، المغرب، الجزائر)، وحضر مؤتمرها التأسيسي بعض زعماء المغرب الكبير، فحضر "فرحات عباس" ممثلا عن طلبة الجزائر، و"صالح بن يوسف" ممثلا عن طلبة تونس، و"علال الفاسي" ممثلا عن طلبة المغرب الأقصى[4]. لقد كانت هذه الجمعية تهدف إلى توحيد طلبة شمال إفريقيا والدفاع عنهم ماديا ومعنويا، كما انخرطت في هموم وقضايا شعوب المغرب الكبير، وهو ما تجلى خلال رئاسة "أحمد بلافريج" للجمعية، ففي 28 فبراير سنة 1930، عبر هذا الأخير عن ضرورة طرد المتجنسين من طلبة المغرب العربي من صفوف الجمعية، لأن الجمعية جمعية أهلية والمتجنسون فرنسيون والجمعية ذات طابع "إسلامي " وهذا يتناقض مع الذين قبلوا بسياسة الاندماج والتخلي عن أحوالهم الشخصية[5]؛ العمل المشترك بين طلبة المهجر تجسد أيضا في مساندتهم لقضايا شعوبهم، عبر إرسال برقية في أبريل 1930 إلى كل من المغرب وتونس يعارضون من خلالها المؤتمر "الأفخارستي" بتونس و"الظهير البربري" بالمغرب وكانت البرقية من إمضاء 8 طلبة جزائرين و6 مغربيين و27 تونسيين[6].
اقتصر إذن دور الطلبة المغاربة أثناء فترة الحماية بالتعريف بقضية وطنهم وضرورة تخلصهم من قيود الاستعمار، وتحقيق الاستقلال[7].وهذه المرحلة تكونت من فترتين[8]:
الأولى: انخراط الطلبة في معركة الخطابي في الشمال وكذا مع غيره في الوسط والجنوب، وقد كان سقف هذه الفترة أواخر العشرينات من القرن الماضي، واتسمت هذه المرحلة بوضوح المضمون " الإسلامي " للحركة الطلابية.
الثانية:انخراط الطلاب في العمل الوطني السياسي لأجل المطالبة بالاستقلال وهي فترة قطعت نهائيا مع سابقتها بعض القضاء على حركة الريف، خاصة وأن الثانية لم تعرف أي ارتباط بالأولى، وقد شاب مضمونها النضالي غموض كبير في المرجعية، مما سينعكس على الحركة الطلابية زمن الاستقلال مباشرة.
بعد حصول المغرب على الاستقلال[9]، تأسست النقابات والاتحادات، وفي غشت 1956 قررت عدة جمعيات ، حل نفسها وتأسيس منظمة طلابية جامعة وموحدة، تحمل إسم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب[10]، بحيث سيعقد هذا المولود الجديد مؤتمره الأول في شهر دجنبر من نفس السنة[11]. إن ميلاد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لم يكن مجرد رغبة ذاتية للطلاب المغاربة في أن يتوحدوا في إطار واحد، بل جمع هذا الشتات كان ضرورة موضوعية واستجابة فورية لسياق حركة الجماهير التواقة إلى التحرر السياسي والإجتماعي[12]؛ كما أن رغبة الدولة إلى جانب "الحركة الوطنية" في إطار بناء مقومات الدولة الجديدة، وهيكلة المجتمع بغرض التحكم فيه وفي حركيته، كانت دافعا رئيسيا لتأسيس الإطار النقابي الطلابي[13].
لقد جاء تأسيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب سنة 1956 كضرورة تاريخية لتأطير الطلبة المغاربة كفئة اجتماعية لعبت أدوارا طلائعية في مرحلة النضال "الوطني" ضد المستعمر الفرنسي، سواء ضمن الحركة الوطنية أو في هيئات طلابية مستقلة، كما جاء تأسيس أوطم، كامتداد واستمرار للمنظمات الطلابية التي عرفها المغرب في عهد الحماية الفرنسية[14].
ارتبط "اوطم" منذ البداية، بحزب الاستقلال الذي كان مهيمنا على المشهد السياسي في هذه الفترة، كما أن مواقف هذا الحزب لم تكن مناهضة للملكية المغربية، بحيث سيعين الحسن الثاني، ولي العهد آنذاك كرئيس شرفي للمؤتمر الأول للمنظمة الطلابية، وسيكتفي الإتحاد الوطني لطلبة المغرب في مرحلة التبعية لحزب الاستقلال في مؤتمره الأول ومؤتمره الثاني بتأييد الحكومة الائتلافية التي تشكلت سنة 1956 وانتهت مهمتها سنة 1958؛ وهي حكومة كان يستحوذ فيها حزب الاستقلال على أغلب الحقائب الوزارية. لقد ظل أوطم على مستوى توجهه السياسي خلال هذه المرحلة يحمل نفس رؤى وتصورات الحركة الوطنية فيما يتعلق بهم هذه الأخيرة للاستقلال "الشكلي " ومتطلبات المرحلة وخاصة الوحدة الوطنية. لم تعرف الحركة الطلابية خلال هذه الفترة أي صدام بينها وبين "النظام"، وظلت مواقفها مهادنة ومسالمة ومسايرة للسياسية الرسمية[15]. في هذه المرحلة كان يتم استدعاء رئيس "اوطم" للحضور في المناسبات الرسمية، كما كانت تعتبر المنظمة الطلابية جمعية ذات نفع عام، استفادت آنذاك من الدعم المالي لإدارة شؤونها[16].
بانعقاد المؤتمر الثالث لـ "اوطم" في يوليوز 1958 بتطوان، أهم مشكل ستواجهه الحركة الطلابية المغربية خلال هذه المرحلة هو تأرجحها بين التيارين المتصارعين داخل حزب الاستقلال[17]،  هذا الصراع سينتهي بانشقاق الحزب، وتأسيس حزب جديد هو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في شتنبر1959، بحيث ستنحاز خيارات "أوطم" لهذا الآخير، وهو ما تم التعبير عنه صراحة بانعقاد المؤتمر الرابع للمنظمة الطلابية في غشت 1959؛ عن طريق تأييد حكومة عبدالله ابراهيم التي تشكلت في 24 دجنبر1958، وكانت تضم بعض المؤسسين لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، لكن بمجرد أن سقطت هذه الحكومة بتاريخ23 مايو 1960[18]، دخل الحزب في معارضة شديدة "للنظام القائم"، وهو نفس المنحى الذي سينحوه "اوطم"، حيث ندد بالطابع غير الديمقراطي "للنظام"، كم ندد بالقمع المسلط على حركة المقاومة وجيش التحرير وذلك خلال مؤتمره الخامس المنعقد بالدار البيضاء في يوليوز[19]1960. أما المؤتمرين السادس المنعقد بأزرو في يوليوز  والذي سمي بمؤتمر الطلاق سنة1961 ، والمؤتمر السابع المنعقد في يوليوز 1962، فقد ساهما في تعميق هذه المعارضة، من خلال الدعوة إلى مقاطعة الاستفتاء الذي دعى له الملك؛ وبحكم التحول الذي سيطرأ على توجهات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي بدأ يلوح بالخيار الثوري، فإن انعقاد المؤتمر الثامن لـ "اوطم" في يوليوز 1963 سيكون محكوما بهذا التحول[20].
  إن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب كمعبر عن الحركة الطلابية الوليدة –بهذا- لم يعزل نفسه عن الصراع حول السلطة بين "القصر" و"حزب الاستقلال في المرحلة الأولى وبين حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في مرحلة ثانية، وقد كانت المؤسسة الملكية تشجع ذلك الانشقاق الحاصل سنة 1957، في محاولة منها لإضعاف حزب الاستقلال. وقد تميزت هذه المرحلة من تاريخ الحركة الطلابية بطغيان الاهتمامات السياسية بدل التركيز على مصالح الطلبة، حيث أصبح الاتحاد الوطني لطلبة المغرب منظمة موازية لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وناطقة باسمه في الوسط الطلابي[21].  إن أهم مشكل واجهته الحركة الطلابية في هذه المرحلة هو انقسامها التنظيمي، حيث بادر حزب الاستقلال في مطلع الستينيات من القرن الماضي إلى تأسيس تنظيم طلابي خاص به، يحمل اسم "الاتحاد العام لطلبة المغرب"، فأصبح الصراع عموديا بين الحركة الطلابية والسلطة السياسية من جهة، وأفقيا بين مكونات الحركة الطلابية من جهة أخرى. وقد كانت هذه المرحلة الممتدة إلى آواخر الثمانينيات متميزة بالصراع الحاد على مستوى الحركة الطلابية بين مكونات اليسار المغربي الذي حسم مبكرا مع هيمنة طلال حزب الاستقلال وإرادة "النظام" السياسي في التحكم في مسار الحركة الطلابية في تفاصيل إدارتها[22].
ومن هنا سيبدأ مسلسل العنف والإقصاء بين فصائل المنظمة الطلابية أوطم. في هذا الصدد يقول الأزهر علال في حوار له مع جريدة الإتحاد الاشتراكي ديسمبر 2000، "لم ننسلخ عن توجهنا الإتحادي..ولم نقبل أن يتجاهلنا الزعيم المرحوم علال الفاسي، عندما أصر على أن يلقي محاضرة عن فلسطين في الكلية (فرع فاس) باسم الاتحاد العام لطلبة المغرب ..طلبنا من علال الفاسي ..أن يلقي كلمته باسم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ولكنه رفض ذلك، فقبلنا التحدي ولم تكفينا مقاطعة الطلاب للمحاضرة، بل ذهبنا إلى حد إفشال النشاط من أساسه، شوشنا على الأفراد العشرة أو العشرين في أحسن الأحوال، الذي جاء معظمهم من خارج الطلبة، ..حتى فصلنا الكهرباء، فانتهى كل شيء"[23].
بقي "اوطم" تابعا لقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى حدود 1969. ففي شتنبر 1946 انعقد بالرباط المؤتمر التاسع لأوطم، حيث تم التشديد على ضرورة التشبث بالمبادئ التي أقرتها اللجنة الملكية لإصلاح التعليم سنة 1957، وعلى رأسها مبدأ التعريب، وقد جوبهت قيادة اوطم خلال هذه المرحلة بأول قرار "تعسفي" للتضييق على نشاطه ومشروعيته[24]، عبر رفع دعوى قضائية في حقه، حيث طالب وزير الداخلية آنذاك، أي بتاريخ 15 أكتوبر 1946، بحل أوطم بدعوى تعارض قانونه الأساسي ومقتضيات إجراءات 21 يونيو 1964؛ وقد تم إبطال الدعوة في دجنبر 1964 بعد ضغط النضالات الطلابية، إلا أنه سيتم تمرير قرارات بموجبها أسقطت عن اوطم كونه جمعية ذات المنفعة العمومية، وبهذا سيتم إضفاء الشرعية على القرار الذي اتخذته السلطة العمومية سنة 1963 والقاضي بحذف الدعم الذي كانت تتمتع به المنظمة سنة [25]1963. هذا هو السياق إذن الذي ستعقد فيه المنظمة الطلابية مؤتمرها التاسع تحت شعار إطلاق المعتقلين السياسيين وجميع المناضلين "التقدميين"، وقد عكس هذا المؤتمر التوجهات التي طرأت على حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حيث ستغلب "الواقعية" السياسية، وهو ما عبر عنه بالنزعة الإصلاحية والتي ستظل حاضرة إلى حدود [26]1968.
المؤتمر العاشر سينعقد في أكتوبر 1965 في ظل ظرفية سياسية عرفت أحداث 23 مارس بالدار البيضاء[27]،  وإعلان حالة الاستثناء بتاريخ 7 يونيو، وقد رفع هذا المؤتمر شعار "الأرض للفلاحين والمعامل للعمال والتعليم للجميع"، في هذا المؤتمر ستحظى المسألة التنظيمية باهتمام كبير بحيث سيتم خلق أجهزة قاعدية للتنظيم الطلابي[28]. وفي ظل حملات "القمع" والقرارات التأديبية في حق مناضلي ومسؤولي اوطم، واختطاف عضويين من اللجنة التنفيذية من بينهم الرئيس آنذاك؛ سينعقد المؤتمر الحادي عشر للمنظمة سنة 1966، ورفع شعار "العمل من أجل رفع الحظر عن الجامعة واحترام الحريات النقابية"، وانتخب فتح الله ولعلو رئيسا له، ورسخ المؤتمر عبر قراراته ومواقفه "الواقعية السياسية" التي سارت عليها القوى السياسية المتحكمة والمهيمنة على أجهزة المنظمة[29].
لم ينعقد المؤتمر الثاني عشر لأوطم إلا في يوليوز 1968، نظرا للظروف التي مر بها العالم العربي ، فهزيمة الجيوش العربية في يونيو 1967، أمام الكيان الإسرائيلي، دفع السلطات العمومية إلى منع انعقاد المؤتمر بحجة مناقشة المشاكل الوطنية؛  رصد المؤتمر الثاني عشر الأوضاع السياسية للبلاد التي شخصها في تحكم أقلية إقطاعية وبرجوازية مرتبطة مع الاستعمار في المشهد الاقتصادي – تشجيع الليبرالية الاقتصادية-  والاجتماعي والسياسي، وهذا ما اعتبره المؤتمر تشجيعا للتغلغل والنفوذ الامبريالي وتجاهل لطموح الديمقراطية التي تسعى له "الجماهير الشعبية"[30]؛ وقد انعقد هذا المؤتمر في ظل ظروف تميزت بانشغال الشباب العربي بهزيمة 67 وبالنقاشات الساخنة حول القضية الفلسطينية وقضايا التحرير والتحرر وبكل القضايا السياسية والفكرية التي فجرت النقاش داخل الأحزاب والنقابات والحركات اليسارية في العالم العربي وداخل المنظومة الأممية جمعاء[31].
المقصود بالخيار الثوري، تبني قواعد عمل فكري وسياسي وثقافي واجتماعي تسعى إلى القلب العنيف للقواعد السائدة والمتحكمة في بناء المجتمع ومؤسساته السياسية وغير السياسية، سواء من جهة العلاقة مع النظام السياسي أو من جهة العلاقة مع المجتمع ومكوناته وثقافته[32]. هذا الخيار ستنبلج معالمه بانعقاد المؤتمر الثالث عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب في يوليوز 1969، بحيث أصبحت المنظمة تقدم نفسها كأداة سياسية للتغيير أو بتعبير واضح حزبا ثوريا[33]. كما اعتبر المؤتمر الثالث عشر القضية الفلسطينية قضية وطنية، وحدد بشكل دقيق مبادئ اوطم الأربعة: الجماهيرية و الديمقراطية والتقدمية والاستقلالية. فعلى المستوى التنظيمي أقر المؤتمر مجالس النضال ولجان الأقسام واليقظة دعما لمكاتب التعاضديات؛ مجسدا بذلك مبدئي الديمقراطية والاستقلالية عن طريق إشراك الطاقات الطلابية في التوجيه والتسيير واتخاذ القرارات، كما أعطى للجنة التنسيق الوطنية دور التهيئ والإشراف والقيادة للمعارك الطلابية[34].
المرجعية التي أفرزها الواقع الدولي ساعتها والتي هيمنت على توجهات الحركة الطلابية المغربية هي المرجعية الماركسية الثورية بكل ألوانها : اللينينية والماوية والتروتسكية وغيرها من أصناف الإيديولوجية الثورية، وقد تميز هذا الخيار- أي الخيار الثوري- بتبني "العنف الأحمر" لحسم كل أنواع الصراع والاختلاف حتى داخل البيت الماركسي الثوري الواحد[35]. لقد كان لأحداث الدار البيضاء في مارس 1965، دور في ميلاد الحركة التلاميذية والتي ستشمل فيما بعد الفضاء الجامعي، وهي التي ستهيئ الشروط الذاتية لميلاد الحركة الماركسية اللينينية سنة 1970. فقد عرفت عدة جامعات ومدن مغربية منذ بداية 1969 حلقات نقاش مغلقة ضمت بعض المثقفين والطلبة، لتنتهي بالتوحد على أساس قاعدتين: الأولى إيديولوجية تتمثل في الإيمان بالماركسية والثانية تتعلق بإدانة الأحزاب ونعتها بالإصلاحية والانتهازية[36]. هذا التوحد جسده تيار يساري سجل حضوره في المؤتمر الثالث  عشر لأوطم، والذي أتى بمشروع البيان السياسي الذي تكمن أهميته في اعتباره أول بيان يعلن عن وجود تيار جديد داخل الساحة الطلابية، يقرر مبدئيا ضرورة خوض نضالات لا هوادة فيها ضد سيطرة الأحزاب الإصلاحية في الجامعة، مع ما في ذلك من طموح لإزاحة هيمنتها والتخلص من دعاويها الإيديولوجية "المحافظة"[37]. ويمكن القول أن أوطم ستشهد نوع من النقابية الشيوعية التي اعتبرت أوطم كقناة لبث ونشر الفكر الشيوعي وتعميم إيديولوجية الصراع الطبقي بالنظر لكونها السلاح الإيديولوجي للطبقة العاملة، هذه الأخيرة التي تعتبر نواة وعمود الحزب الثوري البروليتاري[38].
خلال هذه الفترة بدأت تتشكل ملامح التيار الراديكالي الجديد، فبعد تجميع الأنوية الطلابية والتلاميذية وبعض القيادات اليسارية الشابة إضافة لبعض الطلائع النقابية وبعض رموز الحركة الثقافية الثورية.. أعلن الانشقاق والانفصال عن حزب "التحرر والإشتراكية"[39] و "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" وتم التأسيس لمنظمتي "أ" و"ب" التي ستتحولا فيما بعد إلى منظمة "إلى الأمام" ومنظمة "23 مارس" والتي ستعلن عن مرجعيتها الفكرية "الماركسية اللينينية"، مسطرة برنامجها للتغيير، وخطها السياسي الثوري في الميدان[40]. وهكذا سيعلن التيار الماركسي اللينيني عن نفسه كفصيل جديد داخل الساحة الجامعية تحت إسم "الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين"، هذا الوافد الجديد الذي عزز حضوره في المؤتمر الرابع عشر لأوطم والمنعقد في دجنبر 1970، وكان بإمكانه السيطرة على قيادة المنظمة لولا حسابات سياسية تتعلق بتقدير الظرفية[41]. وقد اتسع نفوذ "الجبهة الموحدة" والتي قادت بعض النضالات والإضرابات المحلية والعامة، كان أبرزها إضراب 4 ماي [42]1974 .
       في غشت 1972 سينعقد المؤتمر الخامس عشر لأوطم، الذي انتخب "عبد العزيز المنبهي" رئيسا له، وقد شكل هذا المؤتمر محطة بارزة ونوعية في تاريخ الحركة الطلابية من خلال بياناتها وبرامجها ومقترحاتها التنظيمية، كالبيان السياسي العام تجاه الثورة الفلسطينية واتجاه كل حركات التحرر الوطني في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية والمنطقة العربية[43]. و في ظل التحولات السياسية التي طبعت الظرفية، فقد كان أهم حدث بارز سيؤثر في مسار المؤتمر الخامس عشر، وقوع محاولة انقلابية وصفت بالفاشلة ضد "النظام" في نفس الأسبوع الذي كانت فيه المنظمة الطلابية منهمكة في أشغاله؛ فالطلبة الاتحاديون في ظل هذا الوضع فضلوا الانسحاب من قيادة أوطم بينما قرر الطلبة "الجبهويون" قيادة المنظمة[44].
 المؤتمر الخامس عشر رفع شعار " لكل معركة جماهيرية صداها في الجامعة" وعبر المؤتمر عن مساندته لجميع نضالات الجماهير الشعبية مبديا استعداده، ومن خلال تسطيره برنامج نضالي متقدم، للكفاح من أجل استقلال الجامعة، ومن أجل صيانة حرمتها، وكذا النضال من أجل المشاكل المادية الملموسة لجماهير الطلبة على أساس ملفات نقابية واضحة وشاملة[45].
       أسفر المؤتمر الخامس عشر على المستوى التنظيمي على[46]:
-       إعطاء مجالس المناضلين الصفة الشرعية القانونية بعد أن أبعدتها في الساحة النضالية القواعد الطلابية.
-       إعادة تأسيس مكاتب الفروع بشكل يمنح المنظمة الطلابية الفعالية اللازمة على مستوى المدن الجامعية.
-       إعادة تأسيس لجنة التنسيق الوطنية وإعطاؤها دور التقرير وفق توجيه المؤتمر وتمكينها من رسم وتقييم وقيادة المعارك النضالية.
خلال هذه المرحلة أصدر أعضاء حركة إلى الأمام ورقة " لنبني الحزب الثوري تحت نيران العدو" بحيث اعتبرت هذه الخلايا أن الشروط الموضوعية نضجت للثورة المغربية المنتظرة، وأن "النظام" بدأت تنهار قواه، فتم توظيف الإطار الطلابي مرة أخرى في الصراع ضد "النظام"، وهو ما قابله هذا الأخير بفرض الحظر القانوني وشن حملة الاعتقالات في صفوف الحركة الطلابية المغربية[47]. فبالعودة للبيان السياسي الذي أصدره "أوطم" في مؤتمره الخامس عشر، وبمجرد القراءة الأولية لهذا البيان، فإنه لا يوحي ببيان صادر عن منظمة "نقابية" بقدر ما يوحي إلى بيان يختزل استراتيجية "حزب ثوري"، هذا "الغلو" في مواقف أوطم سينتج غلوا مضادا سيتمثل في إقدام قوى "الحكم القائم" على إعلان الحظر القانوني للاتحاد الوطني لطلبة المغرب بتاريخ 24 يناير[48]1973.

د- أوطم: بين الحظر القانوني ومخاضات استرجاع "الشرعية" 1973-1981.


تم الحظر القانوني لأوطم في 24 يناير 1973، وهو حظر لم يكن وليد الصدفة بل تحكمت فيه سياقات أهمها محاولة الانقلاب الثانية في غشت 1972 من طرف الجيش،  واستيلاء التيار "الجبهوي" الماركسي اللينيني على القيادة المنبثقة عن المؤتمر15 لأوطم ، بعدما عمل لسنوات على اكتساح المسؤولية القاعدية والمباشرة مع الجماهير الطلابية في الميدان[49]. في ظل هذا الوضع ستدرك الأحزاب الإصلاحية أن تناقضها الرئيسي لا يكمن في "القصر" ولكن يكمن في "الجيش " من جهة وفي الحركة الماركسية اللينينية المغربية من جهة أخرى، وهو الأمر نفسه الذي توصلت إليه قوى الحكم القائم[50]. هذا الوعي المشترك بوحدة الخصم، سيجعل قوى الحكم تعمل على إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وكان أهم إجراء إلغاء وزارة الدفاع، ثم محاولة اجتثاث تنظيمات الحركة الماركسية اللينينية واعتقال أغلب فعالياتها في نونبر 1974.لقد كان توجه "النظام القائم" يسير في اتجاه إنعاش الأحزاب الإصلاحية[51] من أجل تطويق اليسار الثوري، من خلال تأطير الفضاء الجامعي على اعتبار أن هذا اليسار هو نتاج هذا "الفضاء"[52].
       لقد كان من ضمن ما يهدف إليه الحذر القانوني على اوطم، القضاء النهائي والكلي على الحركة الطلابية التي أضحت تقض مضجع "النظام"، وأصبح يضع لها حساباته، ولقد عبر عن هذه الحقيقة " جون واتيربوري" بقوله " لقد فقد "النظام" منذ 1970 المبادرة على مواجهة الطلبة، ولم يعد قادرا على رد الفعل، وطبق سياسة أنتم وشأنكم[53]. في هذا السياق، سيصدر ظهير 25 فبراير 1975 المتعلق بتنظيم الجامعات، وبتاريخ 12 غشت 1976، سيصدر قرار عن وزير التعليم العالي يرمي إلى فرض "تعاضديات إدارية" لتمثيل الطلبة، هذا الأمر عرف في ثقافة أوطم بالإصلاح الجامعي لسنة 1975.غير أن "الجماهير الطلابية" رفضت هذا الأمر، وأعلنت تشبثها بمنظمتها الشرعية والوحيدة أوطم[54]. لكن قبلت به بعض الفصائل واعتبرته خطوة على درب استرجاع اوطم، ومثل في التعاضديات الإدارية "طلبة التقدم والإشتراكية" في حين ارتبك البعض الآخر وتأرجح بين موقف القبول والرفض[55]. وانطلقت في موسم 75/76 معركة "الإصلاح الجامعي" وبروز تجربة النضال القاعدي، حيث لعبت المجالس القاعدية السرية دور كبير في تأطير جل معارك هذه المرحلة، إلى جانب بعض الجمعيات الطلابية داخل المدارس والمعاهد التي لم يطل أنشطتها الحذر[56]. بحيث استطاعت الحركة الطلابية الدخول في معارك جديدة وضعت على رأسها إطلاق سراح قياديي ومسؤولي أوطم ورفع الحذر القانوني عن المنظمة، وقد توجت هذه المعارك باطلاق سراح عبدالعزيز المنبهي رئيس الاتحاد الوطني لطلبة المغرب آنذاك ونائبه "عبدالواحد بلكبير" في سنة 1976، اللذان سيلعبا أدوارا مهمة في توجيه نضالات الحركة الطلابية[57].
       في 09 نونبر 1978 سيتم رفع الحظر القانوني عن المنظمة الطلابية اوطم، ولم تكن هاته الشرعية المستعادة سوى شرعية " مشروطة" تم تحصيلها بين "النظام" و القوى الإصلاحية، تعزيزا لموقعها، بهدف إنجاز مهمتين: الأولى دفعها للحركة الطلابية من جهة للانخراط في المسلسل الديمقراطي، ومن جهة أخرى تعزيز الإجماع الوطني حول مغربية الصحراء[58]. وقد اختلفت قراءات التوجه الديمقراطي حول هذا القرار، حيث اعتبره البعض نتيجة لنضالات الحركة الطلابية بينما اعتبره البعض الآخر "منحة مسمومة يجب الاحتياط منها"[59] ليستقر الكل في النهاية على موقف واحد، حيث اعتبر مكسبا يجب تعميقه وتوسيع القاعدة الجماهيرية لأوطم؛ إلا أن هذا الموقف سيتعارض وموقف القوى "الرجعية" التي ستعمل على التسريع بكل الأشكال المشبوهة لعقد المؤتمر[60]. فـ"المنهج البيروقراطي" استعمل الإرهاب السياسي والفكري في مختلف المؤسسات الجامعية ونقلها إلى مجلس التنسيق الوطني، ومارس ضغوطات على أعضاء القيادة السابقة للتسريع بعقد المؤتمر السادس عشر الذي حدد تاريخ انعقاده في صيف سنة [61]1979. في الوقت الذي لم تكن شروطه متوفرة بالقدر اللازم، ودون مراعاة الظروف الموضوعية والذاتية للحركة الطلابية. وبمعزل عن أوسع القواعد والأجهزة التحتية للمنظمة، وقد حسم الصراع لصالح النهج البيروقراطي بفعل التشتت الذي كان حاصلا في صفوف الطلبة القاعديين[62].
انعقد المؤتمر الوطني السادس عشر بالرباط ما بين 31 غشت و6 شتنبر 1979، وانتخب محمد بوبكري رئيسا له،  وقد اعتبر مناضلوا النهج الديمقراطي هذا المؤتمر بمؤتمر الردة والتراجع، فقد تم فيه قبول إحدى فدراليتي أوربا الغربية دون الأخرى، بل تم رفض حضور "الفدرالية الشرعية" حتى على سبيل الحضور الملاحظ، وتم أيضا رفض الإنصات لرسالة صوتية توجيهية من رئيس المنظمة "الشرعي" عزيز المنبهي[63]. كما تم تشكيل لجنتي الفرز والرئاسة على مقاس القوى السياسية المهيمنة إ.ش.ق.ش، حزب التقدم والإشتراكية"، الطلبة الديمقراطيون، مع إقصاء واضح للوائح النهج الديمقراطي، الطلبة القاعديون، الطلبة التقدميون، الطلبة المجالسيون، والطلبة أنصار المجالس.. بالإضافة إلى عدم البث في الطعون[64].
لقد كان من مهام المؤتمر 16 لأوطم تحرير المنظمة الطلابية من إرث ومخلفات المؤتمر 15 المتعلق بالموقف من القضية الوطنية، بحيث سيكون تحديد الموقف منها حاضرا بقوة وهو ما سيتجلى  في القانون الأساسي الذي بمقتضاه على الطالب أن يساهم في استكمال وتعزيز الوحدة الترابية، ثم من خلال البيان العام الصادر عن المؤتمر والذي يتضمن فقرة تقرر أن "الطلبة يؤكدون تجنيدهم الواعي واستعدادهم للذود عن حوزة الوطن وفرض احترام وحدته الترابية[65]. كما حاولت "القوى الإصلاحية" من خلال المؤتمر القضاء على الموقف المناهض للانخراط في المسلسل الديمقراطي (رفاق الشهداء)، والموقف المعادي للوحدة الوطنية (القاعديون)،  لكنها أخفقت وكان من تجليات هذا الإخفاق حضور الطلبة القاعديين ورفاق الشهداء بقوة في المؤتمر 17 سنة [66]1981.  وأمام عجزها عن أداء ما أوكلت إليه، أعادت "القوى الإصلاحية" "الشرعية" "لقوى الحكم" من خلال انسحابها في المؤتمر 17.[67]

هـ- أوطم: لحظة الفراغ التنظيمي:


عاشت الحركة الطلابية بين 1981 و1988 فراغا تنظيميا وميدانيا،  وقد تجسد هذا الأمر على مستوى مأزق المؤتمر 17 المنعقد بالمدرسة المحمدية للمهندسين بالرباط أيام 22 غشت و6 شتنبر 1981. لم ينجح المؤتمرون خلال هذا المؤتمر في إفراز قيادة جديدة لأوطم، أو إصدار مقررات وبرامج نضالية في المستوى المطلوب، واكتفوا بإعادة الثقة في الأعضاء الذين لم ينسحبوا من المؤتمر[68]. لقد نقل الطلبة "الاتحاديون" مشاكل حزبهم للمؤتمر السابع عشر وبالتالي ليحكموا عليه منذ البداية بالإخفاق. بحيث سيكونون سببا في تفجيره، من خلال رفضهم لتمثيلية لائحة " رفاق الشهداء"[69] في لجنة رئاسة المؤتمر المكلفة بتسيير أشغاله، بدعوى أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية  لم يتقدم إلا بلائحة واحدة.  بينما كان موقف "الطلبة القاعديين" يتمثل في التشديد على حق جميع اللوائح الطلابية المنتخبة في التمثيلية داخل لجان المؤتمر، وبعد أخذ ورد قرر الطلبة الاتحاديون الانسحاب من المؤتمر بعد أربعة أيام من بداية أشغاله (26 غشت 1972).[70]
بهذا الانسحاب حكم على المؤتمر السابع عشر بالفشل، وأدخل الحركة الطلابية في مرحلة الفراغ التنظيمي،  وقد تباينت الرؤى والمواقف بين الفصائل الطلابية الحاضرة في المؤتمر حول هذا الانسحاب، فالطلبة "القاعديون" رأوا في هذا الانسحاب هزيمة "للنهج البيروقراطي" وثغرة في صفوف "القوى الإصلاحية"، وتحولا في ميزان القوة داخل المؤتمر، في حين رأى فيه الطلبة "الديمقراطيون" وطلبة "التقدم والإشتراكية" فرصة لقيادة المنظمة الطلابية رغم كونهم في موقع الأقلية، بدعوى توفير الغطاء السياسي لأوطم، لكن "الطلبة القاعديين" و"رفاق الشهداء" من خلال قوتهم على المستوى العددي جعلهم يطالبون بأن يكونوا ممثلين عن الأغلبية داخل الأجهزة القيادية للمنظمة الطلابية، هذا المطلب رفضه الطلبة "الديمقراطيون" وطلبة "التقدم والاشتراكية"[71]. أمام تصلب جميع الأطراف بدأ المؤتمر يعيش عدا عكسيا كان من تجلياته[72]:
-       انسحاب عدد من المؤتمرين من المعارضة.
-       انسحاب غير معلن لطلبة التقدم والاشتراكية.
-       استقالة اللجنة التنفيذية من مهام لجنة الرئاسة.
في ظل هذا الوضع تبنى المؤتمرون، "مرغمين" وفي آخر المطاف فكرة تأجيل المؤتمر لعقد مؤتمر استثنائي أكثر وحدوية من المؤتمر السابع عشر "الفاشل"[73].  ستعيش الساحة الجامعية خلال الفترة الممتدة ما بين 1981 و1988 فراغا تنظيميا، وسينتهي الأمر بإخلاء الساحة الجامعية[74]. ومنذ ذلك اليوم ستقع تحولات كبيرة سواء في المحيط الوطني أو الدولي أو في الشأن الجامعي الطلابي، وقد انعكس ذلك على القوى السياسية التي اندثر بعضها وتشرذم بعضها الآخر، وظهرت قوى جديدة بفعل تطور التدافع المجتمعي والتاريخي[75].

و- أوطم: مرحلة الحظر العملي والنضال من أجل الحفاظ على إ.و.ط.م 1981-1990:


 يقول الشباري عبدالمومن (من بين الطلبة القاعدين) في هذا الصدد "بعد النتائج الكارثية التي خلفها  فشل المؤتمر السابع عشر على الحركة الطلابية، ستستغل (قوى الحكم) هذا الوضع للهجوم على الحركة الطلابية من أجل اجتثاثها" [76]، فبعد التضييق على الحريات النقابية بالجامعة وتدنيس حرمة الجامعة، سيتم تخفيض المنحة سنة 1982، إلى النصف بالنسبة للطلبة القاطنين في المدن الجامعية وإزالتها في حالة التكرار، مع نهج سياسية تقليص النفاقات بحرمان الطلبة من المطاعم في العطل وفي نهاية الأسبوع، بل وتغييبها من البنايات السكنية الجامعية الجديدة [77]. وقد تم الشروع خلال هذه المرحلة بتطبيق ما سمي بـ"الإصلاح الجامعي" في ظرفية عمقت فيها السلطة القائمة أزمة أوطم باعتقال أغلب القيادات الميدانية وكذا ثلة من أعضاء اللجنة التنفيذية غير المنسحبين[78].
الحظر العملي لأوطم سيتجلى بشكل بارز بإنزال جهاز "الحرس الجامعي" أوما يعرف لدى أوطم "بالأواكس" في قلب الجامعة، وذلك من أجل خنق العمل النقابي وقمع أي تحرك نضالي، باعتقال مناضلي المنظمة الطلابية، والاعتداء على الطلبة بالسلاح الأبيض والسلاسل، وإشاعة جو الرعب و"الإرهاب" داخل الجامعة المغربية[79]، زيادة على عسكرة المدرسة المحمدية للمهندسين بإدخال نظام التعليم العسكري الإجباري بها، محاولة من "النظام" إقبار إحدى "القلع" التاريخية للنضال الطلابي "الأوطامي" ولنضال حركة اليسار الماركسي اللينيني في الجامعة، كما سيتم زرع جهاز المخابرات العلني بجامعات الرباط والدار البيضاء وفاس قبل تعميمها على الجامعات الأخرى[80].
في ظل هذا الوضع والأزمة المفتوحة التي باشرت بمعايشتها الحركة الطلابية، قدمت "القوى" المتبقية داخل "اوطم" مقترحات للخروج من هذا المأزق، ويعتبر أول مقترح هو الهيكلة القاعدية من تحت، وهي القراءة التي فصلتها كراسة[81] صادرة سنة  1984 –طلبة النهج الديمقراطي- والغرض منها هي إعادة هيكلة أوطم في الفروع وعقد المؤتمر الاستثنائي، لكن بقي هذا المقترح رهين النقاش الطلابي دون تفعيل على أرض الواقع بداعي الحظر العملي[82]؛ المقترح الثاني عرف بـ"البرنامج المرحلي" الذي لخص مهام الحركة الطلابية في ثلاث نقاط مركزية، هي النضال من أجل رفع الحظر العملي على أوطم، ومواجهة البيروقراطية- رفض الهياكل- وعرقلة ما يمكن عرقلته من الإصلاح الجامعي؛ كما قدم طلبة "الاتحاد الاشتراكي" سنة 1986 مقترحا للهيكلة التحتية، بينما قدم الطلبة الديمقراطيون[83] مقترحا للهيكلة الفوقية سنة 1989: أي إلى التوافق الفصائلي كمرحلة استثنائية من أجل الإعداد للمؤتمر. كما تجدر الإشارة إلى أن الطلبة القاعديين شرعوا في الهيكلة في نفس السنة عبر اللجان الانتقالية[84].
وقد عرفت الحركة الطلابية بعض الحراك "الجماهيري" منذ مطلع سنة 1987، حينما تفاقمت وضعية القطاع الطلابي، وأضحت الجامعة المغربية تخرج الآلاف من حاملي الشواهد العليا إلى الشارع، وطرد المئات من الطلبة، كما انهمت الحركة الطلابية في هذه الفترة بقضايا الشعوب "العربية"، حيث عرفت الجامعة تظاهرات عارمة تنديدا بالغارات الأمريكية على ليبيا في أبريل 2006، وظلت أوطم وفية للقضية الفلسطينية كقضية وطنية[85]. كما عرف موسم 88/89 تحركات طلابية عمت مختلف المدن الجامعية، سنة تميزت بـ"استشهاد" أحد قادة الطلبة القاعديين "عبدالحق شباضة" خلال إضرابه عن الطعام إلى جانب بعض المعتقلين من "منظمة 23 مارس" دفاعا عن حقوقهم السجنية. وفي موسم 89/90 طرح النقاش من جديد حول هيكلة أوطم خاصة بعد تصريح وزير الداخلية آنذاك –البصري- الذي شدد على شرعية أوطم معتبرا الأزمة التي تعيشها المنظمة الطلابية أوطم لا دخل للسلطة فيها، وإنما هي نتاج تناقضات الفصائل الطلابية[86].

ز- أوطم: بين واقع التطييف ومحاولا الهيكلة 1990 -2014:


لقد طرأت على المشهد الجامعي عدة تحولات منذ سنة 1981، فلم يعد مشكلا من الفصائل الطلابية التاريخية (العلمانية)[87]، فقط بل أصبح يضم فصائل طلابية "جديدة" منحدرة من الحركة "الإسلامية"، والحركة الثقافية الأمازيغية، وخلايا متعددة ومشتتة من "فصائل اليسار"؛ في مطلع التسعينات من القرن الماضي بادرت "الجماعات الإسلامية" المغربية إلى ملء الفراغ داخل الجامعة محاولة منها تعزيز قوتها ونفوذها من خلال مراقبة الحركة الطلابية، وهو ما تمت ترجمته بالإعلان عن تأسيس "فصيل طلبة العدل والإحسان" في مارس 1991، وتأسيس "فصيل الطلبة التجديدين" في فبراير 1993 الذي سيحمل فيما بعد اسم "طلبة الوحدة والتواصل" لينتهي به الأمر لتأسيس منظمة التجديد الطلابي سنة 2003. كما أعلن عن تأسيس فصيل طلبة الميثاق ذي "الحساسية الإسلامية" سنة 1993[88].
كما ظهر طلبة الحركة الثقافية الامزيغية المعروفة اختصار بـ   MCA، سنة 1992 بمراكش، والتي عبرت عن نفسها كمكون من مكونات أوطم، تلتزم بأعرافه وقوانينه ومبادئه[89]. كما ستعرف انشقاقات في صفوف الطلبة القاعديين، فقد برز تيار البرنامج المرحلي كتيار بديل عن "الطلبة القاعديين" في إطار الرد على برنامج "الكراس" وتراجعاته، بحيث تقدم "الرفاق" بموقع وجدة سنة 86/87 ببرنامج بديل مشكل من ثلاث نقاط، تضمنت المطالبة برفع الحظر العملي عن أوطم، مواجهة البيروقراطية،ومواجهة ما يمكن مواجهته من "إصلاح التعليم" وهو ما أسموه البرنامج المرحلي[90]. هذا الأخير الذي سيبرز في بداية التسعينات كأحد التيارات المتشددة في مواجهة "القمع الظلامي" محاولة منه لتصفية الساحة من الوجود "الظلامي"[91] وقد حاول التيار احتكاره النطق باسم حركة "الطلبة القاعديين" أحيانا وباسم أوطم أحيانا أخرى، خالقا بخطاباته وممارساته بعض الصراعات العنيفة والدموية في أغلب الأحيان، اتجاه المخالفين والمنشقين عن التيار[92].  ستستمر هذه الإنشقاقات بداية بجامعة فاس خلال الصراعات الأولى حول مصير اللجان الإنتقالية، وحول مهمة إعادة هيكلة اوطم، ومهمة المواجهة ضد "القوى الظلامية" فكان أن انشق تيار "أنصار الكلمة الممانعة"[93] عن "الطلبة القاعديين" وعن "البرنامج المرحلي".
ابتداء من سنة 1994 ستعرف وتيرة الانشقاقات تصعيدا واضحا في صفوف "القاعديين"، وهو ما تجلى في بروز عدة مجموعات، مجموعة 94، ومجموعة 96، ومجموعة 98، ومجموعة كوبا، ومجموعة مكناس 2006...إلخ، وقد احتدم الصراع بين هذه المجموعات مما أثر بشكل كبير –كما يقول فصيل التوجه القاعدي- على سمعة الطلبة "القاعديين" وعطاءاتهم وتضحياتهم الميدانية والتاريخية[94]. كما ستبرز في الساحة الطلابية اليوم تيارات جديدة  كـ"الطلبة الثوريون"، "أنصار الأممية الرابعة" أو التوجه القاعدي"، " طلبة اليسار التقدمي"[95]، كما ستبرز في مدن مركش، واكادير والرباط حركة "الطلبة الصحراويين المنحدريين من الصحراء المغربية، بحيث سينتظم الطلبة الصحراويون في حركة خاصة بهم حركة تباشر نضالاتها وتقيم أسابيعها المتمحورة أساسا حول المطالبة بتقرير مصير "الشعب الصحراوي" و من أجل الحصول على بعض الملفات الإمتيازية كالمنحة والنقل[96].
وفيما يتعلق بمخاضات هيكلة المنظمة الطلابية، فقد طرح "الطلبة الإسلاميون" مع ظهورهم الميداني الهيكلة القاعدية كبديل،  غير أن الخطوة الإنفرادية لطلبة "العدل والإحسان" في موسم 97/98 في الإعلان عن لجنة تحضرية للجنة التنسيق الوطني أدى إلى فك الارتهان بين المشاريع الإسلامية داخل الجامعة. فتشبث "طلبة العدل والإحسان" بشعار الهيكلة أولا[97]، في حين أعلن "طلبة الوحدة والتواصل" عن الحل الاستثنائي في موسم 1999/2000 بشعار الجامعة أولا[98]. كما قدم طلبة "البديل الحضاري" مشروع "الميثاق" كصيغة أخلاقية لتوفير التعايش والائتلاف بين المكونات الطلابية[99]، من دعوته لمناهضة الإقصاء ومن أجل تحقيق الديمقراطية والحوار الطلابي، أما الحركة الثقافية الأمازيغية فقد دعت إلى ميثاق ضد العنف كمدخل للحوار الطلابي سنة1999.
إن مخاض الهيكلة حكم عليه هو الأخر بالفشل منذ البداية وتم إقباره جراء التشرذم  والتشتت الذي عاشته الحركة الطلابية، وجراء التباينات في المنطلقات أولا وانعدام الاتفاق حول الأطراف ثانيا[100].

خاتمة

إن تفكيك واقع الحركة الطلابية المغربية اليوم، والتنقيب حول ما بقي من أطلالها سيكشف لنا عن تحولات وتغيرات كبيرة، فالفصائل التي كانت تسمى بالإصلاحية غادرت النضالات الطلابية منذ عقود –طلبة الإتحاد الاشتراكي وطلبة التقدم والاشتراكية والطلبة الديمقراطيون ثم رفاق الشهداء (الطليعة)، في حين غادر التيار القاعدي إيديولوجيته الأولى، وتحول إلى مجموعات صغيرة مشتتة ومتحاربة في أكثر من "موقع" جامعي مما يصعب معه تحديد الامتداد الطبيعي لفصيل الطلبة القاعديين أو الطلبة الجبهويين[101]. أما الفصائل الإسلامية فقد فشل مشروعها الهيمني على أوطم وخاصة مع النهج الانفرادي الذي نهجه طلبة العدل والإحسان منذ التسعينات إلى اليوم. أما الجماعات الطلابية فتخندقت في جينالوجيا وهمية حول الممثل الشرعي والوحيد لاوطم، وانغمست المكونات الطلابية في قضايا هامشية، ولم تستطع بعض المنظمة الطلابية فك الارتهان عن التقاطبات السياسية من خارج المجتمع، والتي تؤثر بشكل مباشر في جسم اوطم المنهك. هذه الوضعية ستعمق أزمة الحركة الطلابية من خلال تفاقم حدة الصراعات بين مكوناتها وجماعاتها التي سقطت في براثين العنف والعنف المضاد، فأضحى الفضاء الجامعي يعيش حالة "الطبيعة" وقانونها القوي يأكل الضعيف.




[1] فصيل التوجه القاعدي،  الحركة الطلابية المغربية ومنظمتها الطلابية إوطم...كرونولوجيا النضالات والكفاح المستمر  http://www.ahewar.org/news/s.news.asp?nid=691140 متاح على الأنترنت بتاريخ 10أكتوبر 2014، الساعة23:24.
[2] المرجع نفسه.
[3] الشباري عبدالمومن، تاريخ الحركة الطلابية، التأريخ والامتداد، متاح على الأنترنت بتاريخ 10 شتنبر 2014http://chbari.skyrock.com/2451187799-posted-on-2009-05-11.html.
.
[4] مريوش، أحمد، الحركة الطلابية الجزائرية ودورها في القضية الوطنية وثورة التحرير 1954، أطروحة دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة الجزائر، 2005/2006. ص101-102.
[5] مريوش، أحمد، الحركة الطلابية الجزائرية ودورها في القضية الوطنية وثورة التحرير 1954، مرجع سابق، ص102.
[6] المرجع نفسه، ص105.
[7] دوداح نوال، سوسيولوجية الحركة الطلابية في الجزائر دراسة مونوغرافية للاتحاد العام الطلابي الحر، مرجع سابق، ص76.
[8] الموساوي مبارك، الحركة الطلابية الإسلامية القضية والتاريخ والمصير، مرجع سابق، ص65.
[9]  في هذا الصدد يعتبر فصيل التوجه القاعدي، أن الاستقلال الذي حصل عليه المغرب، استقلال شكلي، بحيث سيتم عقد صفقة مع المستعمر الفرنسي بهذا الخصوص، وستكون معاهدة "إكس ليبان" الضامن لمصالح الإمبريالية ومصالح البرجوازية "الكومبرادورية" الصاعدة والملاكين والأعيان الكبار، مركزة نظاما سياسيا استبدادا وعميلا.
[10] الجمعية العامة لطلبة المغرب المؤسسة سنة 1947، جمعية الطلاب المغاربة سنة 1984، واتحاد الطلاب المغاربة بفرنسا المؤسس سنة 1950.
[11] فصيل التوجه القاعدي،  الحركة الطلابية المغربية ومنظمتها الطلابية إوطم...كرونولوجيا النضالات والكفاح المستمر، مرجع سابق. 
[12] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق، ص43.(اللجنة التنفيذية،المؤتمر الثالث عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب).
[13] العدوني، رشيد، الإتحاد الوطني لطلبة المغرب بين ماضي التوظيف وواقع التطييف، متاح على الأنترنت بتاريخ 20 غشت 2014. http://www.maghress.com/hespress/52040 .
[14]  كجمعية مسلمي شمال إفريقيا التي تأسست سنة 1912، واتحاد طلاب المغرب المؤسس سنة 1925، وجمعية الطلاب المغاربة 1948.
[15] الشباري عبدالمومن، تاريخ الحركة الطلابية، التأريخ والامتداد، مرجع سابق.
[16] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص 45.
[17] حزب الاستقلال آنذاك لم يكن يشكل تنظيما متماسكا، بل كان عبارة عن جبهة  تضم عدة تيارات، وكل تيار له توجهاته وتصوراته، فإضافة الى السياسيين التقليدين الذي عايشو حياة الحزب منذ نشأته، كان هناك التيار النقابي والذي يجسده الاتحاد المغربي للشغل، وتيار حركة المقاومة وجيش التحرير.( انظر ضريف محمد، الحركة الطلابية المغربية، مرجع سابق،ص46).
[18] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص 48.
[19] المرجع نفسه.
[20] المرجع نفسه، ص 49.
[21] دوداح نوال، سوسيولوجية الحركة الطلابية في الجزائر دراسة مونوغرافية للاتحاد العام الطلابي الحر، مرجع سابق، ص77.
[22] الموساوي، مبارك، الحركة الطلابية الإسلامية، القضية و التاريخ والمصير، مرجع سابق،ص65.
[23] الأزهر علال، الماركسيون في المغرب، حوارات وأسئلة، الطبعة الثانية، منشورات الزمن، فبراير2014، ص96.
[24] فصيل التوجه القاعدي،  الحركة الطلابية المغربية ومنظمتها الطلابية إوطم...كرونولوجيا النضالات والكفاح المستمر، مرجع سابق. 
[25] المرجع نفسه.
[26] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص 50.
[27] تميزت المرحلة بحدة الصراع الطبقي والسياسي، صراع فجرته داخليا الانتفاضة الطلابية والعمالية الشعبية 22/ 23 مارس 1965، والتي جوبهت بالقمع الدموي بالرصاص الحي، ناهيك عن حملات الاعتقال والاختطاف والاغتيال... خلال هذه المرحلة تم اغتيال الزعيم الاتحادي المهدي بن بركة يوم 29 أكتوبر 1965، وخلالها تم تعطيل المؤسسات وإعلان حالة الإستثناء وحظر التجوال.( فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق).
[28] المرجع نفسه، ص51.
[29] فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق.
[30] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص 51.
[31] فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق.
[32] الموساوي مبارك، الحركة الطلابية الإسلامية، القضية والتاريخ والمصير، مرجع سابق ص67.
[33] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص52.
[34] فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق.
[35] الموساوي مبارك، الحركة الطلابية الاسلامية، القضية واتاريخ والمصير، مرجع سابق ص67.

[36] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص53.
[37] المرجع نفسه، ص54.
[38] الإتحاد الوطني لطلبة المغرب، طلبة الوحدة والتواصل، معالم التصور النقابي الطلابي،  دون ذكر الطبعة،  التواصل الشبابي، 2000، ص33.
[39] حزب التقدم والإشتراكية حاليا.
[40] فصيل التوجه القاعدي،  الحركة الطلابية المغربية ومنظمتها الطلابية إوطم...كرونولوجيا النضالات والكفاح المستمر، مرجع سابق. 
[41] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص56.
[42] جاء هذا الإضراب كرد فعل على الزيارة التي قام بها أحد وزراء "فرانكو"- لوبييز برافو- الذي كان يتغيى عقد اتفاق بين النظام القائم ونظام اسبانيا الديكتاتوري، لاستغلال فوسفاط "بوكراع" بأراضي الصحراء الغربية./ فصيل التوجه القاعدي مرجع سابق.
[43] فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق.
[44] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص57.
[45] فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق.
[46] الشباري عبدالمومن، تاريخ الحركة الطلابية، التأريخ والامتداد، مرجع سابق.
[47] العدوني رشيد، الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بين ماضي التوظيف وواقع التطييف، مرجع سابق.
[48] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص65.
[49] فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق.
[50] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص65.
[51] ستعمل قوى الحكم على تكريس النزعة الإصلاحية بشكل نهائي داخل أحزاب المعارضة ، بمنح الشرعية لحزب التقدم والاشتراكية وانعقاد اللجنة المركزية لمجموعة الرباط في شتنبر 1974، لتعلن عن تأسيس الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وقد كان مقابل حصولها على الشرعية الاعتراف بمشروعية النظام./ محمد ظريف ، مرجع سابق، ص66.
[52] المرجع نفسه، ص67.
[53] الشباري عبدالمومن، تاريخ الحركة الطلابية، التأريخ والامتداد، مرجع سابق.
[54] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص67.
[55]  قبل طلبة الاتحاد الاشتراكي بهذا الأمر في الرباط ولم يقبلوا به في الدار البيضاء رغم أنه فصيل واحد. /الشباري عبدالمومن، تاريخ الحركة الطلابية، التأريخ والامتداد، مرجع سابق.
[56] فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق.
[57] الشباري عبدالمومن، تاريخ الحركة الطلابية، التأريخ والامتداد، مرجع سابق.
[58] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص68. طفو ملف الصحراء في تلك المرحلة خلق نوع من التذبذب في صفوف تنظيمي الحركة الماركسية اللينينية المغربية وهذا التذبذب هو الذي يفسر المواقف المتضاربة حول مسألة استكمال الوحدة الترابية،  ففي سنة 1977 ستعلن منظمة إلى الأمام عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. المرجع نفسه ص70.
[59] رفع الحذر عن أوطم كان في الوقت نفسه محاولة لافراغ المنظمة الطلابية من محتواها الكفاحي والنضال وعزلها عن نضالات الجمهير الشعبية وترويضها بالقدر الذي يستلزمه "السلم الجماعي" و" المسلسل الديمقراطي المزعوم" وهذا ما تجسد في استمرار اعتقال مسؤولي أوطم والعديد من مناضليها، وكان الرهان على إمكانية احتوائها ورفض الوصاية عليها وجرها إلى مستنقع المسالمة والمهادنة من طرف النهج البيروقراطي المسالم. الشباري عبدالمومن، تاريخ الحركة الطلابية، التأريخ والامتداد، مرجع سابق.
[60] برحو طارق، كرونولوجيا الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، متاح على الأنترنت بتاريخ11 أكتوبر2014.
[61] المرجع نفسه.
[62] المرجع نفسه
[63] فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق
[64] المرجع نفسه.
[65] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص70-71.
[66] المرجع نفسه، ص71.
[67] المرجع نفسه، ص71.
[68] وهم خمسة أفراد، اثنان من لائحة "الطلبة الديمقراطيين" واثنان  من لائحة " طلبة حزب التقدم والاشتراكية" وعضو من لائحة " الطلبة الاتحاديين رفاق الشهداء" فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق.
[69] كان رفاق الشهداء يعتبرون أنفسهم الامتداد الشرعي للاتحاد الاشتراكي داخل الجامعة، محمد ظريف، مرجع سابق.
[70] المرجع نفسه، ص 73.
[71] طرح الطلبة "الديمقراطيون " و "طلبة التقدم والاشتراكية" أنفسهم كبديل وحيد لقيادة المنظمة بدعوى توفير الغطاء السياسي للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وسعوا إلى الوصول إلى مبتغاهم تارة باللعب على تناقضات "القاعديين" و"رفاق الشهداء" وتارة أخرى بالتهديد بالانسحاب من المؤتمر. ظريف محمد، مرجع سابق، ص74.
[72] ظريف محمد، مرجع سابق، ص74.
[73] فصيل التوجه القاعدي، الحركة الطلابية المغربية ونظمتها إوطم. مرجع سابق.
[74] ظريف محمد، مرجع سابق، ص75.
[75] العدوني رشيد، الإتحاد الوطني لطلبة المغرب بين ماضي التوظيف وواقع التطييف، مرجع سابق.
[76] الشباري عبدالمومن، تاريخ الحركة الطلابية، التأريخ والامتداد، مرجع سابق.
[77] فصيل التوجه القاعدي، الحركة الطلابية المغربية ومنظمتها أوطم، مرجع سابق.
[78] المرجع نفسه.
[79] الشباري عبدالمومن، تاريخ الحركة الطلابية، التأريخ والامتداد، مرجع سابق.
[80] فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق.
[81]  " كراس" خلق في صفوف الطلبة القاعديين للتعريف بالشهيدين "الدريدي بوبكر" "مصطفى بلهواري"، والتعريف كذلك بنضالات المعتقلين القاعديين، وعائلاتهم، لهذا قرر القاعديون غنجاز كراس لهذا الغرض، إلا ان العملية شابها نوع من التحايل، بحيث مررت الجهات المكلفة –مناضلون مقربون من منظمة إلى الامام" بعض المواقف والقرارات في شكل أرضية للعمل الطلابي، تضمن برنامجا تراجعيا عما سطره الطلبة القاعديون في إطار برنامجهم المرحلي سنة 1982. فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق.
[82]العدوني رشيد، الحركة الطلابية المغربية بين ماضي التوظيف وواقع التطييف، مرجع سابق.
[83] طلبة منظمة العمل الديمقراطي الشعبي.- العدوني رشيد، الحركة الطلابية بين ماضي التوظيف وواقع التطييف مرجع سابق.
[84] خيارات كان مآلها الفشل سواء بالنسبة لمقترح طلبة "الطلبة القاعديون  ونفس الامر سيقع مع طلبة التقدم والإشتراكية، المرجع نفسه.
[85]  خلال هذه المرحلة نظمت تظاهرات مساندة للانتفاضة الفلسطينية الأولى، وقد ووجهت بالقمع من طرف قوات الامن في جامعة فاس باستخدام الرصاص الحي، سقط على إثرها الشهداء: الأجراوي محمد عادل، وخليفة زبيدة، وسعاد السعدي إضافة إلى العديد من الجرحى والمعتقلين./ الشباري عبدالمومن، تاريخ الحركة الطلابية، التأريخ والامتداد، مرجع سابق.

[86] فصيل التوجه القاعدي، الحركة الطلابية المغربية ومنظمتها أوطم. مرجع سابق
[87] يقصد بالفصائل الخمسة التاريخة خمسة فصائل هي: - الطلبة الاتحاديون- الطلبة الديمقراطيون- الطلبة الطليعيون- الطلبة القاعديون- طلبة التقدم والاشتراكية. ظريف محمد، مرجع سابق، ص81.
[88] ظرف محمد، مسار الحركة الطلابية، جريدة المساء  20/01/2010  .
[89] عنترة مصطفى، الأمازيغية وأسئلة المغرب الراهن، الطبعة الأولى، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، 2006، ص233.
[90] فصيل التوجه القاعدي، الحركة الطلابية المغربية ومنظمتها اوطم، مرجع سابق.
[91] بخصوص الموقف من الإسلاميين، عرف هذا المكون بمواقفه الراديكالية، ودعا إلى العنف الثوري لمواجهة الإسلاميين، باعتبارهم تجلي من تجليات الحظر العملي على أوطم. العدوني رشيد، الحركة الطلابية المغربية بين ماضي التوظيف وواقع التطييف.
[92] فصيل التوجه القاعدي، الحركة الطلابية ومنظمتها أوطم، مرجع سابق.
[93] الكلمة الممانعة، عبارة عن نشرة طلابية، أصدرها الطلبة القاعديون بموقع فاس، والتي دعت لاستمرار التنسيقات الفوقية مع الاحزاب الإصلاحية، وتشبثت بالبناء البيروقراطي لأوطم، مستعجلة في الوقت نفسه الدعوة للمؤتمر الثامن عشر الاستثنائي، تم انتقادها في مهادنة الصراع مع الفصائل الاسلامية أو الدفاع عن حرمة الجامعة. فصيل التوجه القاعدي، مرجع سابق.
[94] المرجع نفسه.
[95] القطاع الطلابي لحزب النهج الديمقراطي.
[96] فصيل التوجه القاعدي، الحركة الطلابية المغربية ومنظمتها أوطم.
[97] رفع طلبة "العدل والإحسان" خلال هذه المرحلة شعار سنة المؤتمر الوطني الاستثنائي لأوطم سنة 2002، غير أنهم أعلنوا عن تعليق المؤتمر بسبب سوء التقدير للمعطيات الذاتية والموضوعية من طرف الفصيل. العدوني رشيد، الحركة الطلابية المغربية ومنظمتها أوطم، مرجع سابق.
[98] يقضي هذا الشعار بضرورة تكوين لجنة طلابية تمثيلية لكل مكونات الحركة الطلابية ويترأسها المحامون أو الأساتذة تشرف على إعداد المؤتمر الاستثنائي للمنظمة الطلابية.. وهو طرح قريب من الطرح الذي قدمه الطلبة الديمقراطيون، لكن هذا الحل لم يجد طريقه للتطبيق. العدوني رشيد، المرجع نفسه.
[99] انخرط كل من "الطلبة الديمقراطيين" وطلبة الميثاق وطلبة الوحدة والتواصل في حوار طلابي من أجل إيجاد مخرج مع نهاية التسعينات وخاصة مع تقارب وجهات النظر بين هذه المكونات الثلاث، غير أن المبادرة لم يكتب لها النجاح بفعل تردي الشروط الموضوعية بالجامعة. العدوني رشيد، المرجع نفسه.
[100] ضريف، محمد،الحركة الطلابية المغربية، قراءة في أزمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب 1956-1996، مرجع سابق،ص78.
[101] العدوني رشيد، الحركة الطلابية المغربية بين ماضي التوظيف وواقع التطييف.

السبت، 30 أبريل 2016

قراءات مفاهيمية: التغير الاجتماعي



قراءات مفاهيمية: التغير الاجتماعي

   إن التغير الاجتماعي صفة لازمة لكل المجتمعات الإنسانية وقد تنبه المفكرون منذ القدم إلى ظاهرة التغير الاجتماعي واعتبرها بعضهم حقيقة الوجود أي أن كل موجود لابد أن يتغير بمعنى أن التغير لا الثبات هو الدال على وجود الموجود وقد عبر عن هذه الفكرة المفكر اليوناني هر قليطس في مقولته أن الفرد لا يستطيع أن يقول: أن أعبر النهر مرتين على اعتبار أن ذرات الماء التي لامست جسمه في المرة الأولى غيرها في المرة الثانية كما أن الشخص نفسه قد يتغير (مثلاً مزاجه، تكوينه الفسيولوجي) والتغير أكثر حركة وسرعة في مجتمع الحضر عنه في مجتمع الريف وقد يعود السبب في ذلك إلى قوة وسيطرة الضبط الاجتماعي في الريف عنه في الحضر فسكان الحضر أكثر استجابة للتغير الذي يطرأ على القيم والعادات والتقاليد من سكان الريف.
وقد عرف التغير الاجتماعي[1] بأنه تلك التحولات والتبدلات التي تحدث في التنظيم الاجتماعي أي التي تحدث في البناء الاجتماعي وفي وظائف هذا البناء المتعددة وهنا ينظر للتغير الاجتماعي على أنه جزء من موضوع أوسع وهو التغير الثقافي والذي يشمل كل التغيرات التي تحدث في كل فروع الثقافة بما في ذلك الفنون والعلوم والتكنولوجيا بالإضافة إلى تلك التغيرات التي تحدث في قواعد التنظيم الاجتماعي أساساً، ويقصد بتغير النظام الاجتماعي التغير في صور التنظيم والأدوار ومضمون الأدوار فالتغير مثلاً من نظام تعدد الزوجات إلى نظام وحدانية الزوج والزوجة من أمثلة التغيرات التي تطرأ في نظام المجتمع كما هنالك التغيرات التي تحدث في مراكز الأشخاص حيث يقومون بأدوار جديدة في النسق الاجتماعي.
كما عرف التغير بأنه الاختلاف ما بين الحالة الجديدة والحالة القديمة أو اختلاف الشيء عما كان عليه في فترة محددة من الزمن وحينما تضاف كلمة الاجتماعي التي تعني ما يتعلق بالمجتمع فيصبح التغير الاجتماعي هو ذلك التغير الذي يطرأ بداخل المجتمع أو التبدل أو التحول الذي يطرأ على جوانب المجتمع. وبمعنى آخر هو التحول الذي يطرأ على البناء الاجتماعي في فترة محددة من الزمن.
بناء على ذلك يشير مفهوم التغير الاجتماعي إلى التحولات التي تطرأ على بناء أي  مجتمع ، خلال مدى زمني معين ، ما يعني وجود قوى اجتماعية ، تسهم في حدوث التغير ، في اتجاه معين ، وبدرجات متفاوتة الشدة وهو قد يطال بناء المجتمع بأسره ، كما هو الحال في الثورات ، كما قد ينحصر في نظام معين كالأسرة و السياسة و الدين.
علماء الاجتماع في هذا الصدد يميلون إلى التمييز بين التغير الاجتماعي و التغير الثقافي ، فأولهما هو الذي يطرأ على العلاقات الاجتماعية ، بينما الثاني يعتري القيم و المعتقدات و المثل و الرموز الشائعة في المجتمع ، غير أن الواقع الفعلي ، يشير إلى صعوبة الفصل بين النمطين من التغير ،إذ التغير الثقافي يسببه أشخاص هم جزء من البناء الاجتماعي ، كما أن التغير الاجتماعي عبارة عن مكونات ثقافية بالغة الأهمية في تحديده ، ومع ذلك ، فانه في الإمكان عزل بعض التغيرات الثقافية ، كتلك التي تنتاب مجالات اللغة و الفن و الفلسفة ، عن السلوك الاجتماعي ، وقد ساعد المناخ الفكري السائد في علم الاجتماع على تبني علماءه مصطلح التغير الاجتماعي ، وذلك للإشارة إلى كل صور التباين التاريخي في المجتمعات الإنسانية ، ونجد من بين الإسهامات التي ساهمت في رواج هذا المصطلح نشر كتاب " التغير الاجتماعي" لمؤلفه وليام اوجبرن عام 1922، الذي أوضح فيه دور العوامل البيولوجية و الثقافية في حدوث التغير الاجتماعي ، كما طرح فرضية الهوة الثقافية ، إذ رأى أن التغيرات التي تطرأ على جزء من الثقافة اللامادية ، يطلق عليه اسم الثقافة التكيفية Adaptive culture ، و التي لا تواكب تمام تلك التي تطرأ على الثقافة المادية ، ومن ثم تصبح مصدر للضغوط و الصراعات ، وقد اختلف علماء الاجتماع في مفهوم التغير الاجتماعي، فرأى " فون فينز von weins eأن يستخدم بديلا محايدا من فكرة التقدم ، أو يستخدمه استخداما إحصائيا ، و يجعله بذلك تصورا كميا خالصا ،و قصره على التحولات التي تلم بعلاقات الإنسان بالإنسان ، وقال "جينزبيرج Ginsberg بان التغير الاجتماعي إنما هو تغير في البناء الاجتماعي، يمثل حجم المجتمع و تركيبة القوة فيه و التوازن بين أجزاءه أو نمط تنظيمه ،أما " روس Ross  ، فبدا له أن التغير الاجتماعي ما هو إلا التعديلات التي تحدث في المعاني و القيم ، التي تنتشر في المجتمع أو بين بعض جماعاته الفرعية.
في حين نجد البعض يعتبر أن التغير الاجتماعي جزء من التغير الثقافي والبناء الاجتماعي هو الذي يتعرض لهذا التغيير اجتماعياً كان أم ثقافياً وبما أن البناء الاجتماعي عبارة عن كل متكامل فإن أي تغيير يحدث في أي جزء من أجزائه يؤثر على بقية الأجزاء وذلك يعني أن التغير الاجتماعي يقود إلى تغير ثقافي كما أن التغير الثقافي يحمل تغير اجتماعي، إذاً فالمفهومان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً .
وبما أن البناء الاجتماعي هو المسرح الذي تجرى عليه أي تغيرات تطرأ على المجتمع فلابد من التعرض له كمدخل لدراسة التغير الاجتماعي والثقافي والتصور البسيط للتغير الاجتماعي[2] هو ذلك القالب الذي ينصب فيه كيان المجتمع بتكويناته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وقد لفت مفهوم البناء الاجتماعي العلماء الأوائل في علم الاجتماع فنجد أن أوجست كومت قد استخدم مفهوم الاستقرار الاجتماعي Social Static في مقابل مفهوم الحركة الاجتماعية Social Dynamic حيث أصبح مفهوم الاستقرار الاجتماعي يعبر عنه بعد ذلك بالبناء الاجتماعي كما أن دوركايم استخدم نفس الفكرة في مفهوم التركيبات المورفولوجية بل وأن الفكرة تمتد إلى منتصف القرن الثامن عشر حيث تحدث مونتسكيو عن أن كل مظاهر الحياة الاجتماعية تؤلف لنا وحدة متماسكة منسجمة رغم ما بينها من تفاوت واختلاف وأن هنالك علاقات تساند واعتماد متبادلين بين هذه المظاهر المختلفة ففي كتابه (روح القوانين) 1748 يبين لنا أنه لا يمكن فهم القانون الدولي أو الدستوري أو الجنائي أو المدني في أي مجتمع من المجتمعات إلا في ضوء علاقتها كلها بالتركيب السياسي والحياة الاقتصادية والدين والمناخ وحجم السكان والعادات وقواعد العرف بل وفي أمزجة الناس.
وقد ظهر المفهوم بوضوح وبشكل علم[3]في كتابات العالم البريطاني هربرت سبنسر في حديثه عن المماثلة العضوية التي يماثل فيها بين المجتمع والكائن الحي وقد ساعدت هذه المماثلة في إبراز فكرتي البناء والوظيفة فقد كان سبنسر يؤكد ضرورة وجود التساند الوظيفي والاعتماد المتبادل بين نظم المجتمع في كل مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي وأن الغاية التي يهدف إليها هي إيجاد حالة من التوازن تساعد المجتمع على الاستمرار في الوجود.
وكل هذا يعبر عنه التغير في نظم المجتمع (اقتصادية، دينية، سياسية.. الخ) وقد يكون هذا التغير تطوري أو تقدمي أو إلي الخلف والمماثلة التي أقامها هربرت سبنسر بين المجتمع والكائن الحي لعبت دوراً كبيراً في إمكانية تصور مفهوم البناء الاجتماعي، فالكائن العضوي الحيواني هو مجموعة من الخلايا والسائل بين الأنسجة الخلوية مرتبة بالنسبة لبعضها البعض كنسق متكامل من الجزئيات المركبة، ونظام العلاقات الذي يربط بين هذه الوحدات هو ما يسمى بالبناء العضوي. ويحتفظ الكائن العضوي على مدى حياته باستمرار معين للبناء بالرغم من أنه لا يحتفظ بمطابقة كاملة للأجزاء المشكلة له فهو يفقد بعض جزئياته المقدمة بالنفي والإفراز ويكتسب أخرى بالتنفس وعملية الامتصاص الغذائي، لكن الترتيب البنائي لوحداته المكونة له يبقى متماثلاً. والعملية التي يعبر عنها باستمرار البناء للكائن العضوي تسمى الحياة والتي تتكون من أنشطة وتفاعلات الوحدات المكونة للكائن العضوي تفهم على أنها الأداء الوظيفي لبنائه.
وعلى هذا إذا انتقلنا من الحياة العضوية إلى الحياة الاجتماعية ودرسنا مجتمعاً محلياً مثل قبيلة أفريقية أو أسترالية فإننا نستطيع التعرف على البناء الاجتماعي لها أو أن أفرادها هم الوحدات الأساسية في هذا البناء مرتبطون بواسطة مجموعة محددة من العلاقات الاجتماعية في كل متكامل. واستمرار البناء لا ينقطع بالتغيرات في الوحدات حيث أن أفرادها قد يتركون المجتمع بالموت وأن آخرين قد يدخلون فيه. ويحافظ على استمرار البناء بواسطة عملية الحياة الاجتماعية التي تتكون من الأنشطة والتفاعلات لأفراد الأسر والجماعات المنظمة التي يندمجون فيها وتعرف والحياة الاجتماعية فكرة احتواء البناء على مجموعة من العلاقات بين كيانات متحدة، واستمرار البناء يتم بالحفاظ في نظم المجتمع (اقتصادية، سياسية، دينية) وقد يكون هذا التغير تطوري أو تقدمي أو تغير للخلف. وقد وصلت الفكرة إلى ذروتها في تفكير العالم إميل دوركايم في معالجته لموضوع الحقائق الاجتماعية Social Facts والتي تمتاز بعموميتها وقدرتها على الانتقال من جيل لآخر وفرض سيطرتها على المجتمع.
وقد عرف رادكليف براون البناء الاجتماعي[4] بأنه شبكة العلاقات الاجتماعية العقلية التي تقوم بين سائر الأشخاص في المجتمع وقد اعتبر براون الأسرة وحدة أولية للبناء الاجتماعي إلا أن ايفا نز برتشارد يختلف معه في أن الأسرة لا يمكن الاعتماد عليها كوحدة ثابتة بدرجة عالية من الثبات والتركيب والتي تتألف من مجموعة من الأشخاص يعتبرون أنفسهم وحدة قائمة بذاتها وترتبط بسائر العلاقات الأخرى في علاقات بنائية.
كما أن ايفا نز برتشارد يختلف مع براون حول مفهوم البناء الاجتماعي فبروان يرى أن الأنساق الاجتماعية أنساق طبيعية يمكن معالجتها بتطبيق مناهج العلوم الإنسانية باعتبارها فرعاً من الطبيعيات في حين أن ايفانزبرتشارد يرى أن الأنساق باعتبارها فرعاً من الإنسانيات. إذاً فالبناء الاجتماعي عبارة عن فرع بين مجردات  Aconsistency of Abstractions .
إذا انطلاقا مما سبق يمكن تعريف التغير الاجتماعي بأنه كل تحول في النظم و الأجهزة الاجتماعية ، من الناحيتين البنائية و الوظيفية ، خلال فترة زمنية محددة ، وهذا التعريف يوافق ما ذهب إليه " دافيز Davis" أن التغير الاجتماعي هو التحول في التنظيم الاجتماعي القائم سواء في تركيبه و بنيانه أو في وظائفه .


[1] عون الشريف قاسم – حلفاية الملوك التاريخ والبشر- دار جامعة امدرمان الاسلامية للطباعة والنشر الطبعة الاولي 1988م ص 74.

[2] صوميل باسليوس ، علم الاجتماع الحضري، دار المعارف ، القاهرة ، 1974م، ص 15.

[3] أحمد أبوزيد- البناء الاجتماعي – مدخل لدراسة المجتمع- الطبعة الثانية- الهيئة العامة المصرية للكتاب 1982-ص9.

[4] محمد الغريب عبد الكريم- السوسولوجيا الوظيفية- المكتب الجامعي الحديث-محطة الرمان الاسكندرية 1998م -ص162



قراءة مفاهيمية في مفهوم الجمعية والعمل الجمعوي

عبدالعالي الصغيري
طالب باحث في علم الاجتماع والانتروبولوجيا
30/04/2016
لا بد في البداية أن نشير إلى انه ليس هناك تعريف ثابت لمفهوم العمل الجمعوي ،إذ لا ينبغي أن تغرينا إشكالية هذا التساءل لننساق وراء البحث عن تعريف ثابت و نهائي للعمل الجمعوي على اعتبار أن تحديد المفاهيم يأخذ عادة مظهرين اثنين :
 1- إما أن يتعلق الأمر بظواهر ثابتة في الزمان و المكان و بالتالي تكون قابلة لان تشخص كما هي و ينتج عن ذلك التشخيص تعريف اقرب لان يكون نهائيا كما هو الشأن في تعريف بعض الظواهر الطبيعية أو بعض تمظهرات النمو عند الإنسان .و إزاء تعريفات من هذا النوع تسهل عملية ضبط العناصر التي ينبني عليها التعريف ذاته بصورة تسمح في النهاية بإمكانية تعميم ذلك التعريف في الزمان و المكان .
2- وإما أن يتعلق الأمر بظواهر تتسم بعدم ثباتها و بحركيتها المتجددة باستمرار ،و بالإيقاع السريع الذي يطرأ عليها بين الفينة و الأخرى ، مما يجعل مسألة إعطاء تعريف نهائي و محدد شيء متعذرا إن لم نقل مستحيلا من الناحية المنهجية على الأقل ، و تتعلق هذه الملاحظة أكثر بالظواهر المرتبطة بالسلوك الإنساني في صيرورته الإنتاجية و الانجازية اليومية[1]، مما يجعل التعريف في هذه الحالة يراهن على ضبط النقط التي تلتقي فيها و تتقاطع عندها مراحل و أشكال ممارسة ذلك السلوك ذاته .
إن مفهوم العمل الجمعوي يندرج ضمن المظهر الثاني ، مما يعني أن هذا العمل في عمقه يحيل على وقائع مجردة لا يمكن تمثيلها نظريا إلا بالاستناد إلى وقائع تطبيقية و عملية ، بحيث لا يمكن أن نتحدث عن العمل الجمعوي كمعطى جاهز و مجرد ، بل نكون مضطرين للحديث عنه كتجربة ملموسة ، أي تتغير من زمان لأخر ، و من مكان إلى آخر[2]، من خلال ما سبق فان مقاربة المفهوم وقراءته ينبغي أن تنطلق من مختلف ممارساته في الواقع ، مما يعطي للتعريف قوته الإجرائية على مستوى التشخيص إذ الانطلاق من المفهوم الثابت الجاهز و النهائي إلى حيز الممارسة المتجددة باستمرار، فيكون الحديث عن تجارب و ليس عن ثوابت من هذا المنظور ، فان العمل الجمعوي لا ينفلت من أن يكون ممارسة اجتماعية للثقافي و تكيفا للاجتماعي ، أي انه في جوهره ظاهرة اجتماعية ثقافية تتقاطع فيه مكونات الشخصية الممارسة له من حيث حمولتها المعرفية و قوتها الوجدانية الدافعة ، ومنحدرات انتمائها لاختيار هذا العمل دون الآخر ، وهذا التقاطع بين المعرفة و الوجدان و الانتماء يجعل إذن الممارسة الجمعوية مدخل للفعل في الواقع ،ليس لتغيير بنياه الأساسية الكبرى ( حتى لا نعطي للجمعيات دور الفعل السياسي و الاجتماعي قوى الفعل السياسي و الاجتماعي المهيأ لهذا الفعل نظريا و تاريخيا ) و إنما التغير على مستوى أشكال التفكير فيه و طريقة تعريف المعرفة المكتسبة لبناء النموذج المرغوب فيه و تأطير الأداة البشرية المزمع تأهيلها لتحقيق ذلك البناء أي بمعنى آخر أن العمل الجمعوي ليس في النهاية سوى منتوج تنظيمي و ثقافي هادف من خلال ممارسات مجسدة إلى اكتساب المنخرط فيه وعيا محددا إزاء القضايا المطروحة بإلحاح في السياق الاجتماعي و التاريخي الذي يمارس فيه ذلك العمل إذن ففي موضوع العمل الجمعوي نجد الممارسة هي التي تحدد المفهوم و ليس العكس.
 إن العمل الجمعوي في تحديداته القانونية و النفسية و الاجتماعية يلوح كخطاب و ممارسة تعتمل في ظل سجل ثقافي أو حقل مجتمعي، بشرط وجود أفراد و جماعات تلتئم من أجل مخطط إنجازي يروم إحداث تغييرات ما في سلم القيم و المواقف و الاتجاهات و الممارسات و السياسات.
فأقوى الأسئلة الجمعوية التي ما زال تحتاج إلى المزيد من النقاش و التوضيح تهم المجالات التالية :[3]
       سؤال الهوية /     سؤال الدور /   سؤال العلاقة /   سؤال المقاربة
فالعمل الجمعوي يعد ملمحا من ملامح الفعل المدني و المواطناتي و الذي يجد أسسه النظرية في أدبيات المجتمع المدني، و تحديدا مع هيغل و غرامشي و قبلا مع آل العقد الاجتماعي. لكن هل ما يتراءى أمامنا زمن هياكل جمعوية وتنظيمات مدنية يعبر حقيقة عن المعنى المفترض للمجتمع المدني؟ وهل ما يتناهى إلينا من حركيات وفعاليات يعكس المفهوم النبيل للمجتمع المدني الذي نحته المثقفون العضويون خلال عصر النهضة والأنوار؟

مفهوم الجمعية :

الجمعية مؤسسة ثقافية  وإطار قانوني لتكافل الطاقات و الجهود من اجل تحقيق أهداف محددة حسب طبيعة الجمعية، و العمل الجمعي شكل من أشكال العمل العام الموجه لفئات الجماهير الواسعة و ذلك حسب الهدف و المجال الذي حدد لهذا العمل، و يعرف الفصل الأول من قانون الحريات العامة بالمغرب الجمعية بكونها: "اتفاق لتحقيق تعاون مستمر بين شخصين أو عدة أشخاص لاستخدام معلوماتهم أو نشاطهم لغاية غير توزيع الأرباح فيما بينهم"  .
و حسب نوعية مخاطبيها و انطلاقا من مجالها تتحدد طبيعة الجمعية: فقد تكون الجمعية جمعية ثقافية، أو سياسية، أو اجتماعية خيرية، أو اجتماعية مهنية (النقابات)، أو فنية أو مسرحية أو رياضية، و قد تخاطب تبعا لمجالها" فئة محدودة من الناس فتوجه للنخبة أو لفئة معينة ، و قد تكون جماهيرية واسعة، و قد تخاطب المثقفين خاصة، كما أنها قد تتوجه نحو الفئة الأمية، و قد ترتبط بفئات عصرية مختلفة: الأطفال ، الكهول، الشباب، الشيوخ، وقد تختار فئة عمرية دون أخرى، و قد تختار الموسرين، كما قد يكون العكس تماما.و انطلاقا مما سبق ذكره، فالعمل الجمعوي هو كل إطار ينضوي تحته مجموعة من العاملين من اجل تحقيق هدف مشترك، هو بالأساس عمل تربوي يهدف إلى المساهمة في بناء الإنسان، لذلك فهو يضم كل الأنشطة الهادفة على غرس المعاني و القيم المنبثقة من عقيدة العاملين فيه على حساب المستويات الفكرية و التصويرية و الوجدانية و السلوكية و هو من هذا المنطلق يشتمل على العمل السياسي (الأحزاب، و النقابات، و المنظمات) و العمل الثقافي (الجمعيات، و النوادي الرياضية…) فكل من العمل السياسي و العمل الثقافي يهدف إلى تحقيق نمط من الحياة لكن وسائلهما في تحقيق هذا المسعى مختلفة فالعمل السياسي يعتبر اجتماعا بشريا مناضلا هادفا إلى امتلاك السلطة من اجل تطبيق برامج اجتماعية و اقتصادية و سياسية، و بناء مؤسسات تضمن أسلوبا معينا للحياة، أما العمل الثقافي فيسعى إلى التكوين المباشر للإنسان من خلال برامج تربوية/ثقافية في حدود ما تسمح به إمكانيات الجمعية كإطار قانوني و ليس من خلال امتلاك الأدوات التنفيذية (السلطة ) و هذا لا يعني انفصال السياسي من الثقافي انفصالا تاما، بل هناك تداخل في ما بين السياسي و الثقافي.
ويمكن اعتبار الجمعية من الناحية الاجتماعية على أنها جماعة من الأفراد ، انبثقت عنهم رغبة للقيام بنشاط معين كان موجودا من قبل أو غير موجود لفائدتهم أو لفائدة مجتمعهم في إطار من التعاون والتطوع وممارسة الأنشطة والعلاقات التي تقوم بها الجمعية تربويا وثقافيا وفنيا واجتماعيا ورياضيا، وهذا يؤدي إلى خلق ديناميكية ونشاط بين مجموعة من الأفراد، فوجود تنظيم يعني وجود أفراد تربطهم علاقات ويقومون بأنشطة تحقق الأهداف المسطرة في القانون الأساسي للجمعية وهو الذي يضمن الاستمرار والاستقرار خلال مدة صلاحية المكتب المسير. ثم الفعالية التي تشير إلى القدرة على التنظيم والهيكلة وتحقيق الأهداف. فالعمل الجمعوي عمل هادف وأهدافه محدودة، لا يمكن تغييرها إلا بمقتضى شروط معينة، وتساعد الفرد على أن يعيش مع الجماعة ويتعاطف معها ويشارك في جميع الأنشطة من أجل الحصول على المنفعة وتحقيق المصلحة العامة .
         فالجمعية هي "كيان مستقل عن السلطات العمومية تشكل مؤسسة جوهرية في المجتمع الديمقراطي، لا غنى عنها لتوسيع مساهمة الأفراد في مسلسل التنمية."   و يعتبرها كل من Jean-Louis Laville وRenaud Sainsaulieu أنها تنم على "تجمع العديد من الأشخاص، الذين قرروا الاجتماع من أجل التعاون لحل مشكل ما أو الاستجابة لحاجة"[4] فما يركز عليه هذين الباحثين في  سوسيولوجيا الجمعيات في دراستهم للجمعية هو مسألة التعاون الإرادي التطوعي و الاشتغال بطريقة حرة، و أن فكرة التعاون تستند إلى ما يطلق عليه الفعل المنظم أو الفعل الجمعي Action collective.
إن الفعل الجمعوي اليوم أضحى مقترنا بالفعل التنموي والحديث عن أي إستراتيجية تنموية إلا ويتم استذكار الدور الذي يمكن أن تؤديه الجمعيات، فالبعض يرى فيها  أنها بمثابة  "فاعل اجتماعي والفاعل في قلب هذا الإطار التحليلي الذي يقترحه Grozier  و Friedberg فهو قد يكون أفراد أو مجموعات يمتلك قدرات تمكنه بهذا القدر أو ذاك على تحديد أهدافه له موارد قادر على تعبئتها من أجل تحقيق تلك الأهداف ]...[ نقول أنه يتبع إستراتيجية عقلانية لتحقيق أهداف معينة، بدون الانحياز إلى الفردانية المنهجية التي ترى في الإنسان كائن عقلاني بشكل كامل ومع تجاوز للواقعية الشمولية le réalisme totalitaire التي ترى في الأفراد متحكم فيهم من طرف أشكال من المنطق الاجتماعي التي تتجاوزهم."[5] فالجمعيات ينظر إليها كفاعل اجتماعي acteur social تنخرط في شبكة من العلاقات الاجتماعية، و أن  دورها مكمل لعمل الدولة في تنفيذ السياسات الاجتماعية لمحاربة الإقصاء والتهميش والفقر وتجسيد المشاركة الفعالة لجميع فئات المجتمع وبلورة البرنامج والمشاريع، و أنها تعتبر قوة اقتراحية مهمة في أي عمل يتوخى معالجة المسألة الاجتماعية، و هي بمثابة الوسيط بين الدولة وأجهزتها الإدارية وبين السكان، وتلعب كذلك دورا في تأطير المواطنين وتأهيل النخب المحلية ،  بما هي فئة أو طبقة تقوم بدور الوسيط في عملية التكوين والتفكير وتنوب عن الباقين.
         يرى  عزيز الحبابي في الجمعية أنها "تعاقد بين شخصين في إطار تجمع أدبي أو سياسي أو اقتصادي، وتعني طائفة تتألف من أعضاء لعرض فكرة مشتركة."  وارتبط ظهور الجمعيات بالانتقال من انتظام اجتماعي أساسه العصب إلى انتظام اجتماعي أساسه المصلحة العامة المشتركة، ولهذا فإن انخراط الفرد في الجمعية فهو انخراط من أجل المصلحة العامة وليس انخراطا هدفه الربح والمصلحة الشخصية.
حسب محمد عاطف غيت، مفهوم الجمعية/ الرابطة Associassions  على "أنها جماعة منظمة تقوم بهدف متخصص و محدد، وفق قواعد قائمة، و نسق للقيادة، و بعض المصالح المشتركة بين أعضاءها. وتتميز العلاقات فيها بأنها غير شخصية و ثانوية. و تختلف الجمعية عن الجماعات الرسمية في طبيعة أهدافها محددة بدقة وبصورة متخصصة.
        أما الأستاذ أحمد شراك  يعتبر أن "الجمعية هي انتظام اجتماعي لمجموعة من الناس في إطار قانوني وهذا الإطار يكون أساسه المصلحة وهذه المصلحة تضيق وتتسع حسب المنخرطين." ودراسة الحركة الجمعوية تقودنا للحديث عن الفاعلين الجمعوي، و الذي يتحدد في ذلك "الإنسان القادر على الفعل الجمعوي انطلاقا من التطوع والاقتناع بجدوى المجتمع المدني."[6] و أن الفعل الجمعوي يقتضي نوعا من الصبر والمقاومة ونكران الذات والدينامية والحركية بعيدا عن النشاط البيروقراطي، فما يميز الفاعل الجمعوي هو روح المبادرة على الإنجاز وهو يتقاطع مع الفاعل الحزبي والسياسي والنقابي. ويمكن التمييز بين الوظائف التالية التي يقوم بها الفاعل الجمعوي.
·                                        الوظيفة التحسيسية: أي أن الفاعل الجمعوي يعمل على تحسيس المجتمع بأهمية قضية ما، وأهمية دورها وأهمية جدواها وانعكاسها على حياة الناس، ومنها جمعيات البيئة مثلا والتي تعمل على تحسيس الساكنة على دور البيئة وانعكاساتها اليومية على الفرد والعلاقات الممكنة بين البيئة والحياة.
      انطلاقا مما سبق فالجمعية هي إحدى القنوات التي تساهم في نمو الفرد اجتماعيا بإكسابه نضجا اجتماعيا، يساعده على التكيف و الاندماج في محيطه و مجتمعه. بل انه يصبح أكثر فاعلية و تأطيرا في المحيط بفضل الخبرات و المهارات التي يكتسبها من خلال نفوذه على العمل الجماعي المنظم. و تحمل المسئولية في المشاركة الواعية و الفعالة، التي تبين عن النضج  للفرد و للجماعة، مما يؤدي إلى خلق و بروز قوة اجتماعية كقوة للفعل الديمقراطي و التأطير الاجتماعي من أجل التغيير الشخصي و الجماعي الهادف إلى خلق مفهوم جديد للمواطنة. أي ي بروز مجتمع مدني حقيقي و فعال.[7] و بتعبير ج.ل.لفيل J.L. LA VILLE فالجمعية " تقابل قانونيا بنية شكلية مستقلة، أي معلنة رسميا و غير خاضعة لمراقبة كيان خارجي، متميزة عن الدولة و الجماعات الترابية. مبدئيا غير تجارية و لا توزع أرباحا على أعضاءها و مسيريها و تتضمن عنصر المشاركة الإرادية، يمكن تناولها سوسيولوجيا كفضاء يؤمن الانتقال من الفضاء الخاص إلى الفضاء العام، عبر لقاء بين شخصي.[8]  وعليه فإن الجمعية إذن ركيزة أساسية لتحقيق التقدم و الازدهار و تفعيل التنمية الإنسانية المستدامة الحقيقية. كما أنها تجسيد فعلي و مطهر من مظاهر الديمقراطية الحديثة، التي ترتكز على الحرية و المساواة و الكرامة و العدالة و الإنسانية و الإيمان بحقوق الإنسان.



[1] Linnovation social /émergence et effets sur la transformatioun des sociétés /sous la direction de juan-lhis klein harrisson

[2] العمل الجمعوي بالمغرب واقع و افاق ، محمد الزيري / الحوار المتمدن –العدد 1472-2006/2/25/07:47

[3] العمل الجمعوي و التنمية المحلية ، عبد الرحيم العطري ، في 9 يوليو 2008 ، المجلة الالكترونية الحوار المتمدن :www.alhewar.org

[4] محسن محمد الرحوتي  : "تدبير المجال الحضري ومساهمة جمعيات الأحياء بالمغرب" (جمعيات الأحياء العتيقة بفاس نموذجا) أطروحة لنيل الدكتوراه في علم الاجتماع، تحت إشراف الأستاذ عبد السلام فراعي السنة الجامعية  2002-2000 كلية الأداب والعلوم الإنسانية فاس ص 89 .

[5]   المرجع السابق
[6] مصطفى كاكا:  مقاربة أولية لدراسة الظاهرة الجمعوية بالمغرب، جريدة النشرة، عدد97، مارس_ 1997، ص: 2

[7] المرجع السابق.

[8] Jean louis la ville "l'association une liberté propre à la démocratie' in sociologie de l'association. 65_66  نقلا عن، حبيبة حفصاوي .