الاثنين، 6 مارس 2017

ورقة تعريفية حول الأخصائي الاجتماعي

ورقة تعريفية  حول الأخصائي الاجتماعي
عبدالعالي الصغيري
باحث في علم الاجتماع

مقدمة:
تعرف المجتمعات البشرية تحولات وتغيرات مستمرة، تتغير معها الأدوار والبنيات الاجتماعية والمؤسساتية، ويرافق هذا التحول والتغير بروز عدة مشاكل اجتماعية ووظيفية، تؤثر على توازن المجتمع واستمراريته؛ هذا الأمر جعل العلوم الإنسانية تولي بالغ الاهتمام لتعقد الظاهرة الإنسانية المتعددة الأبعاد والتي يصعب القبض عليها، من خلال ميلاد مجموعة من التخصصات العلمية-المهنية التي تتدخل ميدانيا لتشخيص مشاكل المجتمع بأفراده ومجموعاته ومؤسساته، وسنسلط الضوء من خلال هذه المساهمة على حرفة "الأخصائي الاجتماعي" كتخصص علم-مهني لم يلقى بعد مكانته الضرورية داخل مجتمعنا المغربي من حيث المأسسة والتوظيف؛ أمام تفاقم المشاكل التي تعرفها بنيات المجتمع في المجالات القروية والحضرية من أسرة ومدرسة ومستشفيات وفضاء عام..، لذلك ننبه إلى أهمية إيلاء العناية بدور الأخصائي الاجتماعي والمساعدين الاجتماعيين في مسألة التوازن الاجتماعي.

أولا: ماهية الأخصائي الاجتماعي:
يمكن تعريف الأخصائي الاجتماعي في ماهيته على أنه ذلك الدور والمهمة، وتلك الحرفة التي تستلزم امتلاك مجموعة من الآليات والتقنيات والأطر المرجعية في القضايا البحثية المتخصصة والمتعمقة لفهم وتفسير الواقع الاجتماعي، من خلال إعادة ترتيب الواقع والانتقال من ثلاث لحظات إبستمولوجية حددها "غاستونباشلار' في القطيعة والبناء والمعاينة؛ إن القطيعة تعني القطع مع الحس المشترك والأفكار المسبقة المبنية حول قضية معينة أو واقعة اجتماعية..، وهنا تأتي مرحلة البناء أي البناء المفاهيميالعلميلنقل الواقع كما هو على اعتبار أن المفهوم يعبر عن مجموعة من الخصائص المشتركة التي تدل عليه في الواقع، لتأتي المرحلة الاخيرة وهي المعاينة، وعلتها الفاعلة هي الارتباط والنزول إلى الميدان من طرف الباحث المتخصص وذلك عبر تقنيات وأدوات علمية كالملاحظة والمقابلة ودراسة الحالة...انطلاقا مما سبق يتبين أن الدور المركزي الذي يضطلع به الأخصائي الاجتماعي هو التشخيص العلمي للوقائع الاجتماعية والمشاكل المرتبطة بالأفراد والبنيات والمجتمع.
ويعتبر الأستاذ عماد عبدالسلام[1]أن الأخصائي الاجتماعي هو شخص يتعامل مع مشكلات الإنسان في مستوياته المختلفة، ويقصد هنا وحدات إنسانية صغرى كالأفراد والأسر والجماعات أو وحدات إنسانية كبرى كالمؤسسات والمجتمعات المحلية والإقليمية والمجتمع القومي ككل، وذلك من خلال دراسة وعلاج المشكلات بأساليب علمية مناسبة، والإلمام بما يستجد من مشكلات ومتغيرات في المجتمع، ويلخص كل ذلك من خلال أربع مستويات؛ المستوى الأول الفهم والمعرفة، والمستوى الثاني المهارات الذهنية والعقلية، أما المستوى الثالث فيرتبط بالمهارات المهنية وأخيرا مستوى رابع متعلق بامتلاك مهارات عامة ومتنوعة[2]وسنعود للتفصيل في هاته المستويات في محاور هذه المساهمة.
ويعرف الباحث عبيد حسن اسماعيل بأنه ذلك الشخص الذي يسعى عبر مجموعة من البرامج والأنشطة الموجهة لفئة معينة من فئات المجتمع إلى مساعدتهم للتكيف من جديد مع البيئة الخارجية الطبيعية والعمل على توافقهم الاجتماعي مع النظم الاجتماعية السائدة بشكل يمكنهم من المساهمة من جديد في كل ما يتعلق بجوانب الحياة المختلفة في المجتمع (عبيد، 1985 ص4)[3].
أما فهمي محمد السيد فيعرف الأخصائي الاجتماعي بأنه فرد في فريق عمل سواء على مستوى مواجهة المشكلة وقائيا أو علاجيا وهذا الدور مرهون في نجاحه بعملية التنسيق والتكامل لأن المشكلة مرتبطة باختلال الأدوار ارتباطا شديد الوثوق والتداخل[4]. كما يعرفه الباحث العنزي حمودي عبدالله بأنه فرد مؤهل مهنيا وأكاديميا بالتعامل مع المشكلات الاجتماعية والقيام بالأدوار المختلفة لحل المشكلات[5].
ثانيا: المبادئ التي تؤطر عمل الأخصائي الاجتماعي:
1- المبادئ الاجتماعية[6]:
مبدأ الموضوعية
مبدأ التقبل
مبدأ السرية
مبدأ حق تقرير المصير
مبدأالمسؤولية الاجتماعية
مبدأ الدراسة العلمية المستمرة
أي عدم السماح لأي اعتبارات شخصية أو ذاتية بالتدخل في عمل الأخصائي الاجتماعي
أي أن يكون هناك تقبل متبادل بين الأخصائي الاجتماعي والمجتمع الذي يتعامل معه، من خلال إدراك وجود فوارق بين الأفراد والجماعات والمجتمعات، وأنه يجب التعامل مع الأشخاص وفقا لقدراتهم وخبراتهم وإمكانياتهم والعلاقة المهنية
الذي يلزم الأخصائي الاجتماعي بأن يكون أمينا على المعلومات والبيانات التي يحصل عليها من الحالات التي يتعامل معها
بموجبه تتم إتاحة الفرصة للفرد أو الجماعة أو المجتمع، بأن يتخذوا القرارات المناسبة لهم، ما دامت لديهم القدرة على ذلك، وما دامت قراراتهم لا تسبب الضرر للآخرين، وهذا المبدأ لا يتناسب العمل به مع الحدث الذي ينقصه الإدراك الكامل بما يعود عليه بالنفع.
الذي يحيل إلى مسؤولية الفرد اتجاه نفسه وأسرته ومجتمعه، ويعني هذا وجود مسؤوليات متبادلة بين الأفراد والجماعات والمجتمعات، ويركز هذا المبدأ على ارتباط الحقوق بالواجبات، لذلك على الأخصائي الاجتماعي أن يوضح للفرد والجماعة أن الاعتراف الكامل بحقوقهم الخاصة يتطلب منهم استبصارا بالتزاماتهم وحدودهم
الذي يحيل إلى مسؤولية الفرد اتجاه نفسه وأسرته ومجتمعه، ويعني هذا وجود مسؤوليات متبادلة بين الأفراد والجماعات والمجتمعات، ويركز هذا المبدأ على ارتباط الحقوق بالواجبات، لذلك على الأخصائي الاجتماعي أن يوضح للفرد والجماعة أن الاعتراف الكامل بحقوقهم الخاصة يتطلب منهم استبصارا بالتزاماتهم وحدودهم،و مبدأ الدراسة العلمية المستمرة تمكن الأخصائي الاجتماعي من العلاقات التفاعلية بين المتغيرات وتمكنه من التخطيط السليم وترتيب أولويات الحاجات، وتقدير الأبعاد المختلفة، وحساب الاحتمالات المتوقعة، وضمان النتائج

2-المبادئ الإدارية[7]:
الإلتزام بقيم الخدمة الاجتماعية
التقيد بحاجات الأفراد والجماعات والمجتمع
مراعاة السياق الثقافي للمجتمع
إقامة علاقات إيجابية هادفة
المسؤولية المهنية
بمعنى أن تكون الخدمة الاجتماعية هي الأساس الذي ترتكز عليه تنمية الخدمات وإتاحتها لمن هم في حاجة إليها من جانب الاخصائي الاجتماعي، وكل العاملين في المؤسسة على أساس تأكيد حرية الأفراد في التعبير عن أنفسهم وتقدير مصيرهم وحقهم في المشاركة في اتخاذ القرارات حول المسائل التي تؤثر فيهم، كما يجب أن يكون الفرد واحتياجاته هم الأساس الذي لا بد أن يوجه إليه العمل المهني.
ذلك أن أساس  وجود منظمات الخدمة الاجتماعية هو تلبية احتياجات الأفراد والجماعات والمجتمع عموما، وعلى الأخصائي الاجتماعي والعاملين في المؤسسات الاجتماعية أن يكون لديهم تفهم للظروف والأوضاع التي أوجدت تلك الاحتياجات، وأن يسعوا إلى ربط المؤسسة بكل القوى التي يمكن من خلالها تدعيم الخدمة الاجتماعية.
 ضرورة فهم ثقافة المجتمع الذي توجد فيه المؤسسة بنفس القدر الذي تؤثر فيه هذه الثقافة في التعبير عن الاحتياجات وإقرار الخدمات وتدعيمها، لذا يجب ان يدرك الأخصائي الاجتماعي أن كل مؤسسة اجتماعية توجد في محيط ثقافي وأن هذا المحيط يتغير باستمرار، وأن عقائد الناس في موقف معين، ووجهات نظرهم، وقيمهم وأحكامهم وخبراتهم ومشاعرهم كلها تشكل أساس سلوكهم، وعليه ينبغي أن تكون خدمات الأخصائي الاجتماعي وخطة عمله متماشية مع العوامل والأشكال الثقافية السائدة، وأن يتم تنفيذها وتطويرها بحيث تدعم الأنماط الثقافية المقبولة والاايجابية
ضرورة إقامة علاقات فعالة وهادفة بين الأخصائي الاجتماعي ومجلس الإدارة، والموظفين، ويفترض هذا المبدأ أنه من الضروري أن توجد الظروف التي تعمل على تنمية علاقات فعالة بين جميع أطراف العمل الإداري في المؤسسات الاجتماعية، ومن ثم ينتج عن هذه العلاقات جهود مشتركة لتصميم البرامج وتنفيذها ومن ثم تتحقق الأهداف، وذلك إيمانا من الأخصائي الاجتماعي بأن العلاقات التي تبنى على التقبل والتعاون والاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة تعتبر أساسا للإدارة الديمقراطية.
يقوم هذا المبدأ على أساس مسؤولية الأخصائي الاجتماعي عن تقديم خدمات مهنية ذات جودة عالية، وذلك على أساس مسؤولية مستويات الممارسة المهنية التي تم وضعها بعناية، والتي يتم تطبيقها بدقة، حيث أن المؤسسات المهنية للخدمة الاجتماعية تتكون من أشخاص لديهم معرفة ومهارة متخصصة، ومهمة الإدارة أن تساعد على توفيرالظروف التي تمكن الأخصائيين الاجتماعيين أن يقدموا خدمات مهنية على درجة عالية من الكفاءة.


مبدأ المشاركة
مبدأ الإتصال
مبدأالقيادة
مبدأالتنسيق
الالتزام بأهداف المؤسسة
أي إشراك الجميع في عمل الأخصائي الاجتماعي، لأن ناتج الجهود المشتركة يكون أكثر فعالية وتحقيقا للاهداف.
ضرورة وجود قنوات اتصال مفتوحة يمكن من خلالها أداء الأخصائي الاجتماعي لمهامه بالصورة التي تحقق مشاركة في تحقيق الأهداف.
أن يتحمل الأخصائي الاجتماعي مسؤولية القيادة، ويستخدم أساليب التشجيع والتدعيم، وخلق روح الابتكار لدى جميع الموظفين في المؤسسة، وتشجيعهم على تنمية قدراتهم القيادية بما يساهم في تحقيق الأهداف.
ينبغي أن يقوم الأخصائي الاجتماعي بتنسيق الأعمال بينه وبين الموظفين في المؤسسة، بحيث يكون تركيزه على تحقيق الأهداف، ويكون هذا التنسيق بين الأهداف الجزئية والهدف العام من ناحية، وبين الأقسام المكونة للمؤسسة من ناحية أخرى،
يستند هذا المبدأ على احترام الأهداف الاجتماعية للمؤسسة من قبل جميع الموظفين، حيث يجب أن تصاغ الأهداف بوضوح وتعلن، ويتم العمل على تحقيقها.
كلية المؤسسة
مبدأ النمو
مبدأالتقييم
مبدأالتغيير
خلاصة
يقرر هذا المبدأ أن يتفهم الاخصائي الاجتماعي المؤسسة ككل متكامل، يتكون من أجزاء متبادلة الارتباط تشكل جميعها نسقا اجتماعيا، وهذا النسق تتمثل مخرجاته في الطاقة وتنمية الموارد، وذلك بهدف إشباع الاحتياجات وتقديم الخدمات من خلال الجهود الموحدة للأعضاء داخل المؤسسة.
ويعني أن يكون الأخصائي الاجتماعي مسؤولا مع غيره من الموظفين بالمؤسسات على إتاحة الفرصة للمسؤولين من أجل تعليم الأفراد والجماعات وتنمية قدراتهم بما يساعد على النمو ويجود الخدمات من خلال ما توفره المؤسسة من تحديد للواجبات والعمليات الاشرافية.
ضرورة قيام الأخصائي الاجتماعي بالتقييم المستمر للبرامج حتى تتحقق أهداف المؤسسة، ويراعي عند تقييمه أن يشرك معه كل الموظفين في مناخ مفتوح ونقدي.
يقوم هذا المبدأ على ضرورة أن تكون عملية التغيير مستمرة سواء داخل المجتمع أو داخل المؤسسة، وعلى الأخصائي الاجتماعي أن يجعل التغيير هدفا من أجل التجديد والنمو وتقدير خدمات جديدة كلما ظهرت حاجات جديدة.
على ضوء ما تقدم، يمكن القول أن الأخصائي الاجتماعي إنما يسعى إلى تحقيق أهداف العمل في مجال الخدمة الاجتماعية في إطار مجموعة من المبادئ المتكاملة التي تشكل في مجملها الركائز الأساسية للعمل الاجتماعي، وعليه فإن على الأخصائي الاجتماعي عدم الاكتفاء بمعرفة تلك المبادئ فحسب، بل يجب أن يدعم هذه المعرفة بالتطبيق الفعلي، وذلك من خلال ممارسة عمله مع العملاء المستفيدين من خدماته سواء كانوا أفرادا أو جماعات.

ثالثا: المهارات الواجب توفرها في الأخصائي الاجتماعي:
إن تحقيق الجودة في أي عمل اجتماعي أو خدمة اجتماعية لا يقتصر فقط على امتلاك المعارف بل يتعداه إلى ضرورة امتلاك مهارات لتنزيل واستخدام هذه المعارف، والأمر نفسه ينطبق على من يمتلك مهارات دون معارف، إذ لا تكتمل الصورة إلا باجتماع ما هو معرفي وما هو مهاري تطبيقي، وهذا ما سنحاول تبيانه من خلال هذا المحور.
في هذا الإطار هناك العديد من التعريفات التي تناولت مفهوم المهارة، نستحضر من بينها تلك التعريفات المرتبطة بالأخصائي الاجتماعي التي تعبر عن المهارة بالقدرة التي تؤثر على عمل الأخصائي الاجتماعي خلال عمليات الممارسة لتعديل السلوك أو مساعدة الأفراد في المواقف وتتضمن استخدام الممارس المهني لمختلف المعارف والخبرات في العمل المهني[8] ، لأن المهارة تتمثل في قدرة الأخصائي الاجتماعي على الاستفادة مما تعلمه نظريا في الواقع العلمي بأفضل النتائج.
في هذا الإطار حددت الجمعية القومية للأخصائيين الاجتماعيين بأمريكا مهارة الأخصائي الاجتماعي (john Masud,1988:207) حسب الآتي[9]:
1-المهارة في الانصات للآخرين بفهم وهدف:
2-المهارة في انتقاء المعلومات وتجميع الحقائق.
3-المهارة في الملاحظة وتفسير السلوك.
4-المهارة في تكوين العلاقة المهنية.
5-المهارة في المناقشة.
6-المهارة في التفاوض.
7-المهارة في إقامة العلاقات التنظيمية.

كما حدد الأستاذ  عماد عبدالسلام مجموعة من المهارات المهنية الواجب توفرها في الأخصائي الاجتماعي نوردها في الجدول التالي[10]:
المهارة المرتبطة بالتعامل مع الحالات الفردية
مهارة العمل مع الجماعات وفهم دينامياتها
المهارات المرتبطة بالعمل مع المجتمعات
المهارات الإدارية
المهارات البحثية

المهارات المتصلة بالعمل مع فريق من تخصصات عليمة أخرى

مهارات عامة ومتنوعة
الملاحظة، المقابلة، الاستماع، العلاقات المهنية...
المناقشة، المناظرة، المجموعات البؤرية..
الاتصال، الاجتماعات، اللجان، الندوات، ورش العمل..
التمكن من آليات وتقنيات
التعامل الإداري

التمكن من
مناهج
وتقنيات
وأدوات البحث
العلمي
 عبر تحقيق التكامل العلمي بين التخصصات التي يكمل بعضها البعض الآخر خصوصا في دراسة الإنسان.
استخدام الحاسب الآلي،
الإلمام بأساسيات اللغة الانجليزية، العلاقات العامة ( الثقة بالنفس، القدرة على المواجهة، المرونة، الايجابية..)، الالمام بالأحداث والقضايا المجتمعية الراهنة.


رابعا: أدوار ومهام الاخصائي الاجتماعي:
يلعب الأخصائي الاجتماعي أدوار مهمة وأساسية بالنسبة للفرد والجماعة(بمفهوم تونيز) والمجتمع، وتنبلج هذه الأدوار داخل المؤسسات والبنيات والتفاعلات والميكانيزمات التي يشتغل بها الفرد والجماعة والمجتمع، ويمكن ذكر بعض الخطوات العملية في هذا الإطار وفق ما يلي:
-      تشخيص ودراسة حالة المبحوثين .
-      رصد المشاكل الاجتماعية وتشخيصها.
-       الاعتماد على تقنية الاستماع المستمر مع المبحوثين في إطار التتبع النفسي والاجتماعي.
-      القيام بدراسات بحثية تشخيصية لرصد العوامل والدلالات من أجل الفهم والتفسير.
-      الوساطة في تدبير النزاعات.
-      العمل على تقوية الروابط الاجتماعية ومحاربة التفكك.
-      التشخيص العلمي والمعرفي لمختلف الظواهر الاجتماعية من داخل المجتمع.
-      القيام بورشات اجتماعية وثقافية وتربوية من أجل تقوية النمو الخلقي وتدعيم السلوكات الحسنة، وإعادة الروابط الاجتماعية بمقاصدها الايجابية.
-      خلق وتدعيم أنشطة اجتماعية وثقافية ورياضية .. والعمل على تنمية الذات والوجدان والعمليات المعرفية كالإدراك والتمثل؛ والاهتمامباستقلالية الشخصية وبالتالي احترام القيم والمعايير.
 وسنعرض في هذا الإطار على سبيل المثال لا الحصر–وبشكل مختصر- بعض المجالات من بين أخرى التي يلعب فيها الأخصائي الاجتماعي أدوارا مهمة، وسنركز  هنا على المؤسسات الاستشفائية والمؤسسات الاصلاحية من خلال ما يلي:
1-أدوار الأخصائي الاجتماعي داخل المؤسسات الاستشفائية:
يبرز دور ومهمة الاخصائي الاجتماعي داخل المؤسسات الاستشفائية على دعم ومساندة المريض وأسرته للقيام بالمهام والأنشطة المطلوبة منهم لتحقيق أهداف العلاج، من خلال التتبع والمواكبة الاجتماعية، عبر مساعدة المريض في تخفيف الضغوط النفسية والبيئية المحيطة به، ومساعدة المريض للتحكم في مشاعره المؤلمة. وقد كانت بداية الاهتمام بالخدمات الاجتماعية في المؤسسات الطبية عام 1905م، وذلك عندما أدخل الدكتور Richard Cabot »  «  مهنة الخدمة الاجتماعية في مستشفى Massachusetts General hospital "، فقد ادرك هذا الطبيب أهمية العوامل الاجتماعية وتأثيرها على المريض، وأكد على ضرورة فهم المريض والتعرف على ظروفه الاجتماعية لتشخيص حالته بدقة وتقديم الخدمات اللازمة؛ كما حدد هذا الطبيب مهمة الاخصائي الاجتماعي في المستشفى في[11]:
-      مساعدة الطبيب المعالج في تشخيص المرض وتنفيذ خطة العلاج وذلك من خلال دراسة ظروف المريض الشخصية والأسرية والبيئية، وتتبع حالته بعد الخروج من المستشفى,
-      القيام بدور الوسيط بين الفريق العلاجي والمريض وأسرته وذلك من خلال توضيح اتجاهات وسلوكيات ومشاعر المريض وأسرته للفريق  العلاجي، وتزويد المريض وأسرته بتعليمات الفريق العلاجي.
-      تسخير الموارد والامكانيات المتاحة في المستشفى والمجتمع المحلي وحسن استخدامها لمصلحة المريض.
2-أدوار الأخصائي الاجتماعي داخل المؤسسات الإصلاحية:
يعتبر الأخصائي الاجتماعي محور النشاطات الثقافية والرياضية والتأهيلية والفنية والإنسانية داخل المؤسسات الإصلاحية، من خلال مشاركته وديناميته وتفاعله المستمر مع الفئات المستهدفة، وتواصله المهني مع العاملين معه في العمل الاجتماعي، وذلك تنفيذا لما أسند إليه من مهام؛ ذلك أن فالأخصائي الاجتماعي يلعب دورا محوريا ورئيسيا، يتعزز بما يمتلكه من صفات ومهارات سواء أكانت شخصية او ذهنية او معرفية. وينحصر دور الأخصائي الاجتماعي في المؤسسات الإصلاحية فيما يلي:

أ‌-    مرحلة الدراسة والتشخيص:
-      الإستقبال : يبدأ دور الأخصائي الاجتماعي في هذه المرحلة مع الفئات المستهدفة عند دخولها المؤسسة الإصلاحية، بعملية الاستقبال التي تساهم في تصحيح كل الأفكار المسبقة لدى المستهدف، عبر خلق اتجاه ايجابي نحو المؤسسة، فيبدأ الأخصائي الاجتماعي بتهييء عملية التفاعل بينه وبين المستهدف، وذلك عبر مساعدته على تفريغ الشحنات السلبية اتجاه المؤسسة، ومن ثم اتاحة مكان آخر في نفسه لشحنة أخرى اجتماعية موجبة. آنذاك يفهم المستهدف أن مهمة المؤسسة هي مساعدته وإصلاحه وإعطاءه فرصة أخرى للانخراط في السلوكات المقبولة اجتماعيا.
-      الإستماع:على الاخصائي الاجتماعي أن يعتمدعلى تقنية الاستماع والانصات مع المستهدفين، بعد أن يكسب ثقتهم، ويترك لهم المجال لسرد تاريخ حياتهم، بحيث تساعد هذه الطريقة الأخصائي الاجتماعي على تقييم الظروف والعوامل الكامنة والظاهرة التي جعلت المستهدف يخرج عن المعايير الاجتماعية، ومن هنا تأتي أهمية تقنية دراسة الحالة.
-      تشخيص الوضعية الأسرية للمستهدف: عن طريق معرفة ظروف أسرته الإقتصادية، والحرمان الذي يعاني منه، وطبيعة الصراع أو التفكك القائم، وكذلك التعرف على المستوى الثقافية، وطبيعة العلاقات والروابط وغير ذلم من المعلومات التي تساهم في قياس أثر الظروف الأسرية في سلوك المستهدف.
-       تشخيص وضعية عمل المستهدف: هنا يحاول الاخصائي الاجتماعي معرفة نوع وطبيعة العمل العمل الذي يعمله، والعلاقات التي تجمعه بزملاءه، ومدى استقراره في عمله، ومدى رضاه عنه، ومدى ملاءمته لحالته الجسمية والذهنية بصفة عامة، ثم قدراته واستعداده بصفة خاصة، وايضا التعرف على اتجاهاته نحو فترات العطالة عن العمل وكيف يواجه مشكلات العمل ويحلها.
-      تشخيص المستوى الدراسي:هنا يجمع الأخصائي الاجتماعي معلومات عن المستوى التعليمي للمستهدف؛ وإن كان يتابع دراسته، يبحث عن  مدى إلتزامه بالحضور او عدم إلتزامه، وعلاقاته مع زملائه وتكيفه معهم، وعلاقاته بمدرسيه، ونوع المعاملاة التي كان يلقاهاواستعداداته العقلية والجسمية، ودرجة مساهمته في مختلف أنواع الأنشطة والهوايات.
-      تشخيص المحيط الاجتماعي والبيئي: يهتم هنا الأخصائي الاجتماعي بالتعرف على العادات والتقاليد والمستويات الاخلاقية التي تسود بيئة المستهدف، والتي يفترض أنها ساعدت على الإنحراف، ويبحث الأخصائي كذللك عن الأماكن التي كان يقضي فيها المستهدف أوقات فراغه، والضوابط الأخلاقية والثقافة التي تبنيها أو تشتغل بها جماعة الأقران التي ينتمي إليها ومدى تأثيرها في سلوكه، كما يحاول معرفة مدى انصهاره وانسجامه مع محيطه.
على ضوء ما سبق يكون الاخصائي الاجتماعي قد قام بتحديد المشكلة التي تعرض لها المستهدف، ويعمل على تحليلها أو تفسيرها والوصول إلى العوامل التي سببته اسواء أكانت ذاتية أو اجتماعية، فالتشخيص بهذا المعنى هو عملية تحليل للحقائق التي توصل إليها الأخصائي الاجتماعي أثناء مرحلة الدراسة، ومن ثم تحديد العوامل الذاتية والبيئية للمشكلة ومدى قدرة المستهدف على الاعتماد على نفسه وتحديد نوع المساعدة التي يحتاجها وأفضل الطرق للتعامل معه حتى يستجيب فيما بعد للخطة العلاجية.
ب‌-           مرحلة التوجيه والعلاج:
ب-1- المواكبةعلى مستوى الشخصية:
-      يستطيع الأخصائي الاجتماعي بمواكبته المستمرة للمستهدف أن يساعده على إيجاد حلول عملية تمكنه من تحقيق التوافق النفسي، وتساعده على امتلاك اتجاهات ايجابية اتجاه المجتمع وبالتالي احترام المعايير، كما أن بناء الثقة بين الأخصائي الاجتماعي والمستهدف، يجعل هذاالاخير يكشف عن الكثير من الأسرار والعقد، مما يجعله يروح عن نفسه ويخفف حدة التوتر لدية ويشعر بالامان والطمأنينة.
-      جعل المستهدف قادر على التكيف ومواجهة الصعاب، وإكسابه القابلية على وضع الحلول السليمة في المواقف والصعاب التي قد تواجهه، لذلك يتجه تدخل الأخصائي الاجتماعي إلى دائرة انفعالات المستهدف، وإكسابه استقلالية الشخصية واعتبار الذات.
ب-2- المواكبة على مستوى المحيط والبيئة:
       تنبلج المواكبة الاجتماعية للمستهدف على مستوى المحيط والبيئة، في صورة خدمات تخفف من الضغوط المحيطة به، وتساعده على العلاج الذاتي، ودور الأخصائي الاجتماعي هو الإطمئنان بأن المؤسسة تشبع حاجات الحدث الإيجابية، كما يجب توفير برامج صحية وثقافية وترويحية تشبع رغبات المستهدف وتنمي خبراته وتؤهله تأهيلا سليما. أما ما يخص بيئة المستهدف الخارجية فدور الاخصائي الاجتماعي هو توثيق الصلة بين المستفيد وأسرته ومحيطه وإزالة مشاعر القلق والإضطراب بينهما.
خلاصة[12]:
الاستقبال
استقبال المستهدف والتخفيف مما يعانيه من مشاعر سلبية مرتبطة بموقفه الاشكالي، والعمل على إزاحة مخاوفه، وإعادة الثقة والطمانينة إل نفسه، والتخفيف عليه من صدمة انفصاله عن المجتمع بايداعه بالمؤسسة
دراسة التاريخ الاجتماعي للحالة
معرف الدوافع التي أدت إلى السلوك اللا اجتماعي المنحرف.
مساعدة الحالة على الاندماج
من خلال تقديم آليات وإرشادات عملية للتكيف مع الوسط الجديد وتمكينه من خدمات هذا الوسط.
توفير الحاجيات الأساسية
تعريف المستفيد بحقوقه وواجباته، كالاعتناء بأماكن النوم، والنظافة، قصد التكيف مع الوضع الجديد
إشراك المستهدف في برامج المؤسسة
تشجيع المستهدف على الاندماج في نشاط اجتماعي موجه، كالألعاب الرياضية والأنشطة الثقافية والفنية.
التتبع المستمر
عبر ملاحظة سلوك المستهدف وتسجيل تقارير دورية تكشف عن جوانب شخصيته ومدى التحول الطارىء عليها.
إعداد ملفات للتبع
وتسجيل ما يستجد من متغيرات بعد عملية البحث الاجتماعي الميداني الشامل عن جوانب شخصية المستفيد وسلوكه وأوضاعه الأسرية والمدرسية وعلاقاته الاجتماعية

خاتمة:
إن العلة الفاعلة من هذه المساهمة البسيطة هي تسليط الضوء على الأدوار التي يمكن أن يضطلع بها الأخصائي الاجتماعي اليوم في اشتغاله مع الفرد والجماعة والمجتمع، بحيث إن الواقع الاجتماعي اليوم يفرز عدة مشكلات اجتماعية تستدعي التعامل معها بشكل محترف في التدخل والتشخيص والعلاج، لذلك ننبه من خلال هذه المساهمة إلى أهمية إيلاء الاهتمام بخريجي وخريجات المختصين في العلوم الاجتماعية والإنسانية (" علم الاجتماع، علم النفس الاجتماعي،علم النفس والمساعدة الاجتماعي" ) ومأسسة مهنة الأخصائي الاجتماعي والمساعدة الاجتماعية في القطاعات التي أصبحت تعرف مشاكل واختلالات يستعصي حلها في ظل غياب مثل هذه التخصصات كما هو الحال في المؤسسات التعليمية والمركبات الاجتماعية، والمستشفيات، والقضاء، والمؤسسات الإصلاحية، وتجدر الإشارة إلى أن المجتمع المدني منتبه اليوم  إلى قيمة هذه التخصصات وأهميتها عبر إحداث مراكز الاستماع والمصاحبة والوساطة، .






















[1]عماد عبدالسلام، مدرس مساعد بقسم مجالات الخدمة الاجتماعية ـ كلية الخدمة الاجتماعيةـ جامعة الفيوم.

[2]عمادعبدالسلام،  الدليل التدريبي لمشرفي التدريب الميداني الفرقة الثانية (انتظام - انتساب) العام الجامعي 2010-2011، كلية الخدمة الاجتماعية ، جامعة الفيوم، 2010-2011، صفحات 3-4-5.
[3]فهد سالم القحطاني، تقييم دور الأخصائي الاجتماعي في المؤسسات الاصلاحية " دراسة ميدانية على دار الملاحظة الاجتماعية بمدينة الرياض" رسالة ماستر، قسم العلوم الاجتماعية، تخصص التأهيل والرعاية الاجتماعية، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، كلية الدراسات العليا، 2005، ص8.
[4]فهمي،محمد السيد، وآخر، محاضرات في الدفاع الاجتماعي، المكتبة الجامعية، القاهرة، 2000، ص14.
[5]العنزي، عبدالله حمود، دور الأخصائيين الاجتماعيين في التعامل مع المشكلات الاجتماعية للمسجونين في سجون مدينتي الرياض وجدة، رسالة ماستر في العلوم الاجتماعية،  كلية الدراسات العليا، قسم العلوم الاجتماعية، 2005، ص 27.
[6]فهد سالم القحطاني، تقييم دور الأخصائي الاجتماعي في المؤسسات الاصلاحية " دراسة ميدانية على دار الملاحظة الاجتماعية بمدينة الرياض"، (مرجع سابق)، الصفحات من 23 إلى 25.
[7]فهد سالم القحطاني، تقييم دور الأخصائي الاجتماعي في المؤسسات الاصلاحية " دراسة ميدانية على دار الملاحظة الاجتماعية بمدينة الرياض"، (مرجع سابق)، الصفحات من 25 إلى 27.
[8]العجلاني، عمر بن علي بن عبدالله، تقييم المهارات المهنية عند الأخصائيين الاجتماعيين ، رسالة ماسترفي العلوم الاجتماعية، تخصص تأهيل ورعاية اجتماعية، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، كلية الدراسات العليا، قسم العلوم الاجتماعية، الرياض، 2005، ص45.
[9]العجلاني، عمر بن علي بن عبدالله، تقييم المهارات المهنية عند الأخصائيين الاجتماعيين ، رسالة ماسترفي العلوم الاجتماعية،(مرجع سابق)ص 40.
[10]عمادعبدالسلام،  الدليل التدريبي لمشرفي التدريب الميداني الفرقة الثانية (انتظام - انتساب) العام الجامعي 2010-2011، كلية الخدمة الاجتماعية ، جامعة الفيوم، 2010-2011، صفحات 4-5.
[11]  العجلاني، عمر بن علي بن عبدالله، تقييم المهارات المهنية عند الأخصائيين الاجتماعيين ، رسالة ماسترفي العلوم الاجتماعية، مرجع سابق، ص 46.
[12]  فهد سالم القحطاني، تقييم دور الأخصائي الاجتماعي في المؤسسات الاصلاحية، مرجع سابق، ص39-40.

الاثنين، 12 ديسمبر 2016

رقصة الشمس في ذكرى المولد النبوي



رقصة الشمس في ذكرى المولد النبوي
عبدالعالي الصغيري
باحث في الأنتروبولوجيا
تكتسي ذكرى المولد النبوي بالمغرب طابعا خاصا، سواء من حيث الاحتفالات التي تقام بمناسبة هذه الذكرى أو من حيث الطقوس الأنتروبولوجية التي يتدخل فيها أو ينتجها عدة فاعلين من زوايا ومساجد وجمعيات وكذلك أعراف وتقاليد؛ وتأتي هذه المساهمة من أجل تسليط الضوء على بعض الطقوس الأنتروبولوجية التي تتخلل هذه الذكرى بمنطقة الجرف اقليم الرشيدية كحالة، من أجل وصف بعض المشاهد والتعبيرات الرمزية في هكذا مناسبات.
في مناسبة ذكرى المولد النبوي ببلدة الجرف، تحرص الأسر على خلق أجواء احتفالية، عبر إعداد خلطات من طبخات المقدس التي تسم هذه المناسبات، كوضع الحناء في يد البنات، وتمرير "البخور" و"الجاوي"..، في مختلف مرافق البيت والزقاق، كما يتم تزيين الأطفال الصغار بأحلى وأجود الثياب، كما يستمتع الأطفال من الذكور بلعبة مشهورة على المستوى المحلي يطلق عليها إسم "فرفارة"  وهي عبارة عن مروحية من الورق مثبة على قصبة في طول 80 سنتمترا إلى متر واحد.
يلعب الأطفال الصغار بهذه اللعبة ويتسابقوا في الجري في الأزقة والشوارع حتى تحوم المروحية، ويدخل هذا الطقس في نفوسهم البهجة والسرور، أما الكبار فيتبادلوا الزيارات وصلة الرحم، كما تتضلع الزوايا بمجالس من المديح والسماح وتلاوة القرآن والأمر نفسه ينطبق على المساجد، أما الجمعيات فتقيم مهرجانات احتفالية تتخللها مسابقات ثقافية في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمداح نبوية وتلاوات قرآنية لطلبة دور القرآن.
يثيرنا أيضا في هذه الطقوس، ذلك الطقس الذي يتسابق إليه سكان البلدة في الصعود باكرا إلى أسطح المنازل وأعلى نقط فيها، لمراقبة الشمس عند طلوعها، بحيث يعتقد الساكنة أن الشمس ترقص في شكل دائري ومتوهج مشع عند حلول  ذكرى المولد النبوي، ويطلقون عليها إسم "عوينة الشمس"، ويمثل الأمر في المخيال الجمعي ذلك النور الساطع الذي انتشر مع ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وعم البشرية بالنور والضياء. في هذا الإطار تقول إحدى ساكنات البلدة " كنا ننتظر ذاك اليوم بشوق وحرارة، نعد الدقائق والثواني المتبقية حتى يصبح الصباح، وما إن توشك الشمس على الشروق، حتى تسمع زغاريد النساء من أعالي سطوح المنازل...والأطفال مذ ذاك الوقت الباكر على غير عادتهم يترقبون تلاوين الشمس المتوهجة، فتجد أحدهم يقول لقد رأيتها احمرت، بينما الآخر يقول اصفرت، أما الثالث فيقول لا وإنما أراها تبتسم...لقد استيقظت مرة وحاولت أن أرى ما يرون لكني لم أرى شيئا، رغم أن ابنة عمي وابن عمي رأوا تماثيل صور، ووو، وحينما أقول لهم لم أرى شيئا يقولون: تعالي مكاني وسترين، ورغم ذلك لم أوفق،.. حقا كانت طفولة بريئة ترى ما لا يراه الكبار..
في جو تغمره الفرحة نستيقظ وأيادينا مخضبة بالحناء، نرتدي أحسن ما نملك من الثياب نحمل مروحياتنا الورقية المسماة "الفرفارة"، ونجوب شوارع القصر وكلنا فرح وسرور نردد كلمات جميلة" فرفارتي فرفارتي فرفارة الميلود" ياليتني أعود صغيرة حتى أفرح كما كنت أفرح فرحا حقيقيا[1]".
هكذا يحضر طقس رقصة شمس المولد النبوي في مخيال ساكنة بلدة الجرف؛ طقس مليء بكثير من المعاني والدلالات التي تحيل إلى النور والضياء وإشراقة فجر جديد تتجدد معه بواعث الأمل ومعاني السعادة في اتباع خطى الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام.





[1] و.م.طالبة باحثة بجامعة مولاي اسماعيل بمكناس.

الأحد، 24 يوليو 2016

مفهوم القبيلة عند جاك بيرك

مفهوم القبيلة عند جاك بيرك




*تقديم:
شكل مفهوم القبيلة، إلى جانب مؤسستي الزاوية والمخزن، مفهوما محوريا في الدراسات السوسيولوجية إلى حد يمكن اعتباره " ذرة " للخطاب السوسيولوجي، بالخصوص الخطاب الكولونيالي، باعتبار ما كان سيوفره له تناول القبيلة، من تقدم في معرفة / غزو المجال الذي كان ينوي التحرك فيه . لا غرابة إذن من ملاحظة أو تسجيل تعددية في وجهات النظر وفي تناول هذا المفهوم، بالرغم من أن التصور أو المنظور العام للقبيلة كما تقدمه المخيلة الإثنوغرافية هو نفسه، أي باعتبارها كيانا تسود فيه نزعة مشتركة ومتأصلة نحو هاته الصفة أو تلك. كيف ندرك القبيلة إذن؟ هل ندركها من خلال وظيفتها التاريخية ونقول أنها قوة سياسية ضمن الثلاثي مخزن – قبيلة – زاوية كأنساق سياسية فرعية ؟ أم أنها تتحدد من خلال ارتباطها بالمجال وفي علاقتها مع " مورفولوجية الأرض " ؟ أم أنها ليست سوى حصيلة طبيعية لتوسع أسري متوحد الأصل ؟ وعلى مستوى آخر كيف نقاربها؟ هل باعتبارها كيانا ثابتا محددا في الزمان والمكان أم أنها فوق ذلك كيان اجتماعي متحرك، مع ما تفرضه الدينامية من علائقية ومن تشابكات؛ أي ماكروسوسيولوجية المقاربة ؟
تحيل هذه التساؤلات إلى مقتربات متعددة حول ما ندعوه بالقبيلة والمجتمع المغربي للقرن 19 بشكل عام .
*جاك بيرك : المقاربة اليقظة .
تعتبر القبيلة العنصر الأكثر انزواء وداخلية في المجتمعات العربية؛ فهي الخاصية التي تعطي للمجتمع العربي سمته المميزة مثلما تعطي اليوم الطبقة في أنصع تجلياتها التاريخية سمة المجتمع الأوروبي وحجر زاويته، عندما كتب جاك بيرك مؤلفه الشهير (المغرب العربي في دواخله من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر) أشار رأساً إلى القبيلة؛ قصة جاك بيرك مع مصطلح القبيلة الذي لازمه طوال حياته كباحث اجتماعي، ترجع في البداية إلى سنة 1932م عندما بعثه أبوه (وكان آنذاك مسؤولاً سامياً في الحكومة العامة الفرنسية وتعنى بشؤون الجزائر في الفترة الاستعمارية) إلى المناطق النائية داخل الجزائر وبالتحديد منطقة "السباسب" في "الحُضنة" على "طريق بوسعادة"هنا عرف جاك بيرك أن "السكان الأصليين" كتعبير كثر تداوله في العلوم الاجتماعية (Indigeneous) تعني بدون ريب قبائل "الصحراء والتل".
إن تصرف والد جاك بيرك تجاه ابنه غني بالمعاني- هو موقف نابع من سلطة مركزية محتلّة تطمح إلى معرفة خبايا وخفايا المجتمع المحتل بهدف إحكام القبضة والسيطرة المطلقة عليه. إنصافاً للرجل، لم يقم جاك بيرك بهذا الدور، إلا أن موقف الأب ليس غريبا: جلّ الحملات الكلونيالية تتكون عادة من رافدين أساسيين: رافد عسكري يحسم الموقف ميدانياً ورافد علمي يتمثل في فريق من الأنثروبولوجيين وأخصائيي علم الاجتماع والأتثولوجيا، يمهدون للنصر العسكري عبر المعلومات والمقاربات العلمية التي تجمع وفق مناهج وتقنيات بحث ورصد للواقع. رغم ما اعتراها من توظيف سياسي واضح، قوامه خدمة الهيمنة الاستعمارية، تعتبر هذه الدراسات الكلونيالية إضافة علمية لا يستهان بها البتة.
 حظيت هكذا القبيلة بدراسات عديدة في المغرب العربي في الفترة الاستعمارية؛ لأن حاجة المحتل كبيرة لمعرفة المجتمع من الداخل، سواء كان ذلك في زواياه المنعرجة في منطقة "السباسب" الصحراوية والجافة أو في زواياه المستقيمة في المناطق الحضرية. سمّيت المناطق الأولى أرض "السيبا" وسمّيت المناطق الثانية "أرض أو بلد المخزن". عادة ما تكون الأولى مناوئة للسلطة تتميز بالمشاكسة وتعمل على تقويض أسس العمران الذي تحتضنه المدينة، أما الثانية فهي موالية للسلطة القائمة وتعمل على توطيدها وتنتفع من سخائها، في المقابل، عبر المال أو الوظائف المتحصل عليها.
تبرز أهمية جاك بيرك في تناوله ومقاربته لمفهوم القبيلة ، في أنها ظلت وعلى امتداد فترات زمنية متقاطعة، واعية بحدودها . إنها مقاربة يقظة " ترفض كل تعميم انطلاقا من حالة مزدوجة التحديد " .
إن مرحلة التنظير، كمرحلة ملازمة لكل بحث علمي، لا يمكن التوصل إليها حسب جاك بيرك إلا انطلاقا من عمل مقارن بين حالات منفردة  . ومن ثم ستعطى الأولوية للتحليل قبل التركيب مع ما يتطلبه ذلك من قطع مع المناهج التي اعتادت البحث عن الثوابت وعن الإطلاقية.
وفي هذا الإطار كذلك سيتم تعويض البحث عن التشابهات بالبحث عن الاختلافات والفوارق ومن ثم الاهتمام بتعددية الأشكال التنظيمية وكذا البنيات الاجتماعية التي بلورها سكان هذه المنطقة أو تلك، بالخصوص سكان الأطلس الكبير الذين شكلوا مجال اهتمام ودراسة جاك بيرك، بالرغم من طغيان منظور ما يسميه هو نفسه " بالاستمرارية المغاربية " .
لابد من إدراك القبيلة ضمن صيرورتها التاريخية، وبالتالي فعوض تعريف واحد لها، ستبرز تعاريف ومتغيرات عديدة تستمد مصداقيتها من أهمية السياق التاريخي والانتباه إلى علاقة القبيلة بالدولة و إلى لحظات الصراع حول السلطة، ومدى التصاقها بالوطن المسكون .
ينبغي إذن، حسب جاك بيرك دائما الاهتمام بدراسة " الحالات " في ذاتها وفي أبعادها التاريخية، ومن ثم سيهتم بدراسة المجتمع القروي وبشكل أدق المجتمع الزراعي في علاقته مع الوسط الطبيعي أو ما يسميه بـ"الأساس أو الجوهر الطبيعي" . هذا التداخل بين الإنسان و وسطه القروي هو الذي سيحدد في نظره، الشكل المجتمعي Sociétal، لقبيلة معينة " سكساوة " بالنسبة إليه .
بالإضافة إلى المتغيرات السابقة، وضمن إشكال نظري آخر متعلق أساسا بمحاولة قراءة أو إعادة كتابة التاريخ الاجتماعي لشمال إفريقيا، سيركز جاك بيرك على دراسة العلامات وما يمكن أن توفره من إمكانيات في فهم التاريخ الحقيقي لهذه المجتمعات، يقول جاك بيرك : " لقد سعينا فقط إلى التأكيد على الأهمية التفسيرية التي تكتسيها العلامات في فهم جانب من الظواهر الاجتماعية في شمال إفريقيا، لأن هذه المنطقة ظلت باستمرار أرض البحث عن هوية الذات بالاستناد إلى التأويل أو التأكيد أو الخداع، أو بواسطة الاندماج أو الانشطار، ففي حياة الكلمات يكمن قسط من تاريخ و مورفولوجية المجموعات  .
هذه الاعتبارات ستجعله ينظر إلى القبيلة في أبعادها الحقيقية، ومن ثم محاولة مقاربتها بحذر شديد ليس باعتبارها وحدة مغلقة بل ضمن إطار عام و شامل ، ضمن شرط تاريخي محدد، عبره تم تعمير المغرب. " إن تعمير المغرب – يقول جاك بيرك – يبدو لنا كفسيفساء، لكن الحبة به صغيرة و محدودة، و الألوان رغم تعددها فإنها تتجمع تقريبا دائما في نسق واحد هو الأسماء التاريخية الكبرى "  . إلا أن هذا لا يعني أننا استطعنا حل ألغازها و دلالاتها. لكن يقول جاك بيرك، أليس التمييز بين خطوطها عملية تحفز عليها أبسط ضرورات المنطق و أبسط متطلبات العقل ؟ هذا ما قام به باحثونا، فقد اعتمد بعضهم على الوهم النسبي الذي ينتشر الأبناء بمقتضاه بعيدا عن الأب؛ بينما اعتمد البعض الآخر على التفسير التاريخي الذي يقوم على الوهم النسبي الذي ينتشر الأبناء بمقتضاه بعيدا عن الأب؛ بينما اعتمد البعض الآخر على التفسير التاريخي الذي يقوم على تناحر المجموعات، هكذا شرح كل بطريقته الخاصة هذه التكرارية الغريبة التي تعرفها أسماء المجموعات.  
إن القبيلة لا تتطور فقط بواسطة التباعد، إن التباعد يشكل فقط إحدى اتجاهاتها الممكنة وهو نتيجة للتقلبات التي فرضها عليها التاريخ . إنها تتطور و بنفس القدر عن طريق التقارب، ومن ثم يمكن إدراكها " كعسلوج " واحد تمتد جذوره من قريب لقريب حتى يشمل مجموع جهات الفق ".
إنها لا تنمو فقط عن طريق الاندماج، بل كذلك عن طريق التجميع، وعندما نقول تجميع فهذا يعني أن ثمة فاعل، ثمة دوافع وعوامل ساهمت في خلق تكتلات و تشتيت أخرى .
هذه العوامل حسب بيرك تكمن في " الانتصارات والهزائم، تنقلات الغزاة أو تيهان الهاربين، إنها الحيوية التي تبعث على الانتشار أو الضعف الذي يقترن بالتشتت؛ حركات التوسع أو الانكماش التي يعرفها الاقتصاد الفلاحي وعلى الأخص الرعوي؛ تكاثر أو اختلاط المجموعات "  . وبشكل عام التقلبات التي فرضها عليها التاريخ كما أشرنا فوق، هكذا يخلص جاك بيرك - في الأخير- إلى إظهار طغيان عامل الكسب والمعاش مع ما يترتب عن ذلك من حروب وصراعات، في فهم وتفسير تكتلات بشرية معينة . يقول جاك بيرك : " إذا ما حاولنا-الآن- تجميع المظاهر الأكثر تأثيرا في التنظيم القروي، فإننا سنتبين أنه نتيجة لغلبة الإنسان الاقتصادي Homoeconomicus  .
إن الحديث عن تكتل بشري معين من خلال صراعه مع الطبيعة ومع التاريخ، من خلال صراعه مع الحياة، هو ما طبع تصور جاك بيرك للقبيلة. وباعتبار أن هذا الصراع يستدعي الديناميكية والتحرك، فإن ذلك سينعكس لا محالة على مستوى التعريف، مستوى تحديد مفهوم القبيلة . إنها حسب تعبير " بول باسكون "، وبصيغة تلخص جيدا طرح بيرك، عبارة عن جمعية سياسية مبنية على عوامل اقتصادية جغرافية : أي علاقات الإنسان بالأرض، والطاقة البشرية بالثروة البيئية وفضائها في مستوى تكنولوجي معين .
هكذا عوض العثور من خلال مجهود جاك بيرك على تعريف محدد للقبيلة سنجد أنفسنا أمام تساؤلات أخرى جديدة تتعلق أساسا بالعامل المحدد الذي على أساسه نفهم هاته التكتلات البشرية التي ندعوها قبائل، هل هو العامل الاقتصادي، أوالجغرافي، أم شيئا آخر؛ ومن ثم الرجوع مرة أخرى- أو بالضرورة - إلى الميدان؛ إلى المادة الخام الأساس لكل تنظير حسب بيرك .

* تحليل البنى الاجتماعية بالأطلس الكبير ؛ حالة قبائل "سكساوة":
مما لا شك فيه أن جاك بيرك لعب دورا كبيرا في تحليله للبنى الاجتماعية بالأطلس الكبير وكذا تاريخ هذه المنطقة التي اتخذها موضوعا لدراسته، و بالخصوص تاريخ قبائل" سكساوة" الأمازيغية . ويقول الوزاني عن سكساوة: " سكسيوة جبل موحش جدا، تعود سكانه أن يضعوا على رؤوسهم قلنسوات بيضاء.... يعمر الرجال طويلا ، فيعيشون عادة ثمانين أو تسعين أو مائة سنة، وشيخوختهم قوية و خالية بطبيعتها من العلل التي تحملها معها السنوات فهم يسيرون وراء البهائم إلى أن يدركهم الموت، لا يرون الأجانب مطلقا ....
ويقول جاك بيرك : "إن التاريخ يمثل في آن واحد المنطلق و النتيجة في هذا البحث". لكن يمكن أن نتساءل عن الدوافع التي جعلته يولي هذا الاهتمام بماضي مجموعة قبلية، في الوقت الذي يكتفي الباحثون في مثل هذه الحالات بإنجاز دراسات مونوغرافية وصفية حول الجوانب المادية والاجتماعية المتعلقة بحاضر المجموعة المدروسة . فما هو ياترى السبب الذي دفع جاك بيرك إلى البحث عن التاريخ في وديان وأعالي الأطلس الكبير ؟
قبل الخوض في غمار الموضوع لا بأس أن نتعرف عن بعض المحطات التي حلّ بها قبل وصوله إلى الأطلس الكبير . فخلال ربيع 1935 تم نقل جاك بيرك من مركز البروج إلى سوق الأربعاء الغرب لشغل منصب مراقب مدني في هذا المركز الذي يتواجد في قلب منطقة فلاحيه، حيث كتب دراسته حول الحياة الاجتماعية في سوق الأربعاء بين الحربين التي تضمنت تصنيفا لأهم الشرائح التي تتكون منها البنية الاجتماعية للمدينة ونواحيها . فجل السكان ينحدرون من قبائل عربية، بني هلال ؛ بني معقل ؛ وبني مالك؛  وبني أحسن .
وفي أواخر سنة 1935 عيّن بيرك مسؤولا عن ملحقة" حدّ كورت" في الأراضي العليا للمغرب وكان هذا المركز تابعا آنذاك لإدارة المراقبة المدنية الموجودة في سوق الأربعاء . وقد قضى الجزء الأكبر من إقامته في المغرب مسؤولا عن هذه الملحقة التي كانت تضم المنطقة الشمالية للمغرب حتى ضواحي "جبالة" .
وفي سنة 1943 التحق بالإقامة العامة حيث أسندت إليه مهمة الإشراف على مكتب الأبحاث في إطار الإقامة العامة. كان لهذه التجربة مفعول كبير في التطور السياسي و الفكري لجاك بيرك، لكنه ما لبث أن أقيل من هذا المنصب ليعيّن كمراقب مدني في "إمنتانوت" بالقرب من مراكش . وفور تعينه شرع في تهيئة أطروحته الجامعية حول " البنيات الاجتماعية في الأطلس الكبير " التي بحث فيها عن تاريخ قبائل "سكساوة " .
إن اهتمام "جاك بيرك" بتاريخ سكان هذه القبائل، لا ينم فقط من نزعة معرفية ,شمولية وموسوعية، بل كان أمرا ضروريا لأن أهم مظاهر الحياة الاجتماعية هي نتيجة للتطور التاريخي، ولا يمكن فهم أي ظاهرة محلية دون ربطها بسياق التطور الذي عاشته المنطقة خلال القرون المتعاقبة، وهو ما عبر عنه جاك بيرك بـ: "نظام سكساوي" .
إن التحليل الاجتماعي التاريخي هو الذي مكن بيرك من فهم بعض مظاهر السلوك الجماعي و الخصائص التي مازالت تتحكم بكل ثقلها في العلاقة بين الأفراد والجماعات. وقد تمكن من خلال دراسته لتطور قبائل "سكساوة " من فهم المغزى العميق لبعض أشكال السلوك الاجتماعي التي يغيب معناها عن وعي الأفراد الذين يعيشونها في شكل تلقائي. وتبقى غامضة وضبابية بالنسبة لدارسه وإلى الباحث الذي يتوقف عند المستوى السطحي في دراسته الظواهر الاجتماعية .
وقد لاحظ بيرك مثلا أن التنظيم السياسي عند قبائل "سكساوة" كان يتأرجح باستمرار بين التوجه الديمقراطي و الاستبدادي، وبالتالي فإن فهم طبيعة المؤسسات السياسية يقتضي دراستها من زاوية تاريخية، وهو ما خلص إليه، بأن النزعة الاستبدادية خاصية تتميز بها الحياة الاجتماعية عند القبائل "البربرية" في الأطلس الكبير؛ لكن هذه النزعة الاستبدادية تصطدم في آخر المطاف بالواقع القبلي الذي ينزع في العمق إلى تفضيل النظام الديمقراطي وقيم المساواة بين الأفراد والجماعات.
إن اهتمام بيرك بالتاريخ الاجتماعي لقبيلة" سكساوة" يرجع بالأساس إلى الأهمية التي يوليها سكان المنطقة لكل ما يتعلق بماضيهم .
خلاصة القول أن جاك بيرك من خلال دراسته لقبائل "سكساوة" ومن خلال الاستنطاقات، خصوصا الوثائق وأسماء الأماكن والأعلام واللجوء إلى المصادر الشفوية، استطاع دحض التصور الذي كان سائدا في الدراسات الاستعمارية خصوص أفريقيا الشمالية من خلال استناده على فرضية تختلف جذريا عن هذا التصور، مفادها أن التنظيمات القبلية ترتبط في علاقة جدلية مع محيطها الجغرافي .

لائحة المراجع:
- عبد الكبير الخطيي , " المراتب الإجتماعية بالمغرب قبل الإستعمار " , المجلة المغربية للإقتصاد و الإجتماع , العدد 2 , 1975 .
- الأنتربولوجيا والتاريخ م . س , ص . 121
- حليم عبد الجليل , " البحث السوسيولوجي في المغرب " , مجلة كلية الآداب بفاس 1982/83 , العدد 6 ص . 25
- مقال :القبيلة: حجر الزاوية في فهم واقع المجتمع العربي راهنا ومستقبله القريب العروسي العامري.
- انظر أحمد توفيق , مساهمة في دراسة المجتمع المغربي , إينولتان من 1850 إلى 1912 , منشورات كلية الآداب , الرباط , 1983 الجزء الأول , ص : 131 .
- *موقع الحوار المتمدن –العدد 1161- بتاريخ 2005/04/8- www.ahewar.org

- مجلة إضافات – المجلة العربية لعلم الاجتماع العدد السابع صيف 2009 الصفحات (59-63) .

30/03/2011

الجمعة، 24 يونيو 2016

ما نصيب الهوية والثقافة في "الربيع الديمقراطي"



ما نصيب الهوية والثقافة في "الربيع الديمقراطي"
في الوقت الذي تسعى في المجتمعات و الثقافات جاهدة إلى الانعتاق و التحرر من التبعية و الاستعمار الثقافي ، والهوياتي ، انطلاقا مما أفرزته العولمة و الأنظمة الرأسمالية و الامبريالية من تغيرات سوسيواجتماعية و ثقافية غيرت من قيم المجتمعات وقضت على تضامنهم الآلي ، لتحل الفردانية والبراكماتية ، لتطفو المصالح على بحر الحياة الاجتماعية الغير مستقر والهائج دوما ، حيث يصعب بمكان على أي سفينة ثقافية الرصو فيه إن لم تكن لديها أشرعة قوية ، وإلا سيجرفها التيار حتما.
واقعنا الاجتماعي و الثقافي و الرمزي اليوم شهد مجموعة من المتغيرات الخطيرة التي أثرت في مختلف اللبنات والأسس الأولية للبناء الثقافي و الهوياتي ، ونخص بالذكر هنا مؤسساتنا الاجتماعية المتمحورة أساسا في الأسرة ثم المدرسة ،والمجتمع كوعاء جامع ومفرز لنتائج التفاعل ، ليتشكل لنا في النهاية فضاء عام غير مستقر على انمودج بعينه بل قابل للتحول و التغير دوما؛على ضوء ما سلف دعونا نساءل الحراك الاجتماعي و الثوري الذي شهدته شعوب شمال إفريقيا والشرق الأوسط ، فما موقع الدفاع عن الهوية و الثقافة من هذا الحراك؟ ، أين تتجلى مظاهر إثارة إشكالات الهوية و الثقافة ؟، وعلى أية معايير و أية أسس؟
كإجابة على هذه التساؤلات نجد  عالم الاجتماع التونسي ذ.محمود الذوادي  يعتبر أن ما غفلت عنه ثوارات الربيع الديمقراطي هو رفع مطالب ترد الاعتبار للثقافة و الهوية ،حيث بقيت المطالب منحصرة في ماهو سياسي و اجتماعي لكن لم تنتقل لما هو ثقافي حيث إن الوضع الثقافي مازال مركبا ومعقدا ، وهنا يطرح الذوادي إشكال اللغة كعنصر أساسي للتحليل حيث اعتبر أن شعوب شمال إفريقيا مستلبة لغويا، حيث إن لغة المستعمر ما تزال متغلغلة في البنيات الرسمية لهذه البلدان لتنتقل بذلك إلى الاجتماعي و الثقافي وتخلق استعمارا أشد خطورة وهو الاستعمار الثقافي .
إن الاستعمار الثقافي هو اخطر أنواع الاستعمار فهو يهدف إلى احتلال العقل في وقت تكون فيه الثقافة الذاتية لبلد ما على أدنى مستوياتها (لأسباب مختلفة)
الاستعمار الثقافي لا يحتاج إلى الأسلحة التقليدية ولكنه – ربما يحتاج حاليا – إلى التكنولوجيا المتقدمة والعلم  والاتصالات الحديثة.
الاستعمار الثقافي على عكس الاستعمار العسكري يحتاج إلى زمن ليس بالقصير لتحقيق الأهداف المرجوة منه  لأنه ينخر بطيئا في عقول الناس وخاصة عقول من يقال عنهم (المثقفون) لأنهم لبنة الثقافة ويصبح هؤلاء هم المروج لثقافة المستعمر.
أسوء أنواع الاستعمار الثقافي هو بث الأفكار المتخلفة والهدامة وإثارة الفتن والنعرات الدينية و الطائفية والمذهبية وتشجيع أي فكر يدعو إلى عدم الاستقرار واستمرار الفوضوية وقتل أي أفكار تدعو للعلم والتعلم والتحرر والتقدم والرقي.
كل دولنا العربية الآن واقعة تحت الاستعمار الثقافي – شئنا آم أبينا – وكثير من الوقائع الاجتماعية تؤكد و تدل على هذا .
فعلى سبيل المثال لا الحصر ما يشهده مجتمعنا المغربي من تحولات على مستوى القيم و الأخلاق ، وفقدان خصوصيات التضامن الاجتماعي و العائلي ، وطغيان الاستهلاك التفاخري و الفردانية المتوحشة ، ثم كثرة الجرائم الخطيرة منها في مناطق التضامن الآلي ناهيك عن التحولات المؤسفة التي شهدتها مؤسسة الأسرة ، والتغير الفجائي الذي طرأ على أساليب التنشئة  ، و الأدهى من هذا معايير تشكل هاته المؤسسة التي انقلبت المعايير و الأعراف في تشكلها لتلبس حلة جديدة ناسخة في ابعد الحدود أنموذج الزواج الغربي ، فأصبحت مؤسساتنا التعليمية اليوم خصوصا في المرحلة الثانوية و الجامعية تعج بالعلاقات العاطفية الحالمة ، ولا يقتصر الأمر هنا بل الفضاء العام نفسه يشهد ممارسات شبه جنسية أمام مرأى الجميع دون تحريك ساكن ضبطي لما يقع ، أو ثقافة خلاقة  . وأمام تفاقم العزوف عن الزواج وصعوبة العيش والاستلاب الثقافي أصبح هناك نوع من التماهي والتطبيع مع هذا الوضع‘ ولم يعد إشكال في علاقات تخرج عن نطاق المسموح به ثقافيا أو مرجعيا، ومن يدري ربما يمكن التمرد في أفق بناء ثقافي جديد ، حيث أضحى التنازل الثقافي ، وقتل الثقافة و الهوية أمرا عاديا في ظل انهيار جدار الدفاع و الصد المحلي أمام قوة صدام الثقافات الدخيلة.
في منحى آخر تعبر أزمة التعليم التي يتخبط فيها التعليم المغربي عن شكل آخر من أشكال الاستلاب الفكري و العلمي الذي لم يجد لنفسه وحتى الساعة مخرجا من الأزمة ، فمن بين المشكلات التي لازالت تخلق القلق لدى الطلبة هو إشكال لغة التدريس حيث التدريس باللغة العربية في المرحلة الابتدائية والثانوية لتنقلب الأمور في المرحلة الجامعية باللغة الفرنسية ، الأمر الذي يشكل عائقا و عبئا بل خللا وظيفيا من داخل النسق التعليمي ، أما على المستوى السياسي فان كانت اللغة الرسمية للبلاد هي العربية و الامازيغية فحضور هاتين الأخيرتين من داخل النسق الإداري و المعاملاتي يبقى شبه غائبا تماما ، ليطغى في النهاية الرأسمال الثقافي اللغوي الفرنسي ليؤكد لنا من جديد أننا شعب لم يتحرر  بعد . شعب فاقد لرأسماله الرمزي يتكلم بما لا تفهمه ثقافته ، منسلخ عن جذوره و لبناته ، كل هذا ساهم في تكريس الهشاشة الهوياتية و الثقافية ، فأصبحنا وعاءا دون محتوى تخترقه ثقافات متناقضة على مدار الساعة .إننا بحاجة إذن إلى ثورة ثقافية و هوياتية لننحت موافقات و مواضعات قوية قادرة على صد الثقافات الدخيلة في أفق البناء الحضاري المستلهم لقيم التقدم والنمو ولكن ليس على حساب الخصوصيات المحلية.
عبدالعالي الصغيري