الثلاثاء، 12 نوفمبر 2013

شخصية المقدم : عجز في الفهم

شخصية المقدم : عجز في الفهم :
     هل هو مخبر السلطة ، أم عراب الحي ، أم فيلسوف المعلومات ، حتى أضحى يعرف كل شيء عن الناس ، مأكلهم ،مشربهم ، عملهم وربما متى يستيقظون بل ورقم أحذيتهم ، إنه الغائب الحاضر بعين المكان ،إنه شاهد عيان . تأتي هاته اللحظات التي أردت من خلالها أو بالأحرى قلمي أراد أن يكتب ومخيلتي أرادت أن تشتغل . المكان : كرسي الانتظار بالملحقة الإدارية الثامنة لمرجان السكنى ، الزمان : مغيب في هذه اللحظات للحاجة ، حيرة و دهشة ، وابل كبير من الأسئلة يطرق راسي ومخيلتي ، تستفسرني وتسألني ما المقدم؟
فمجرد أن وضعت قدماي عند مكتبه حتى بدأ التحقيق والاستقصاء محاولا بذلك التثبت و التأكد من صحة معلوماته و استخباراته لعله قد ينجح في الامتحان ، وفعلا قد نجح ،معلومات دقيقة وصحيحة ،هنا فعلا أحسست أنني أمام شخص غير عادي بل يمتلك من القدرات و الخبرات رغم مستواه الدراسي ما يمكنه أن يمارس هذه المهنة الاستخباراتية إن صح التعبير ، فرغم أني لا أظهر كثيرا في الحي الذي أقطنه ،إلا انه استخدم تحرياته واستقصائه ومارس السوسيولوجيا الاكتشافية و الميدانية ،مكنته من جمع كم هائل من المعلومات عني ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بشدة هو من أين يستشرب معلوماته هاته ، كيف يقتنص عملية "التبركيك" من المستفيدون من هذا ، هل هم أصحاب الحسنات بهذا المعنى السوسيوثقافي و الرمزي الذين يدفعهم الفضول للإدلاء بمعلومات بشكل واعي أو لا واعي، أم أننا أضحينا أمام ظاهرة التمخزن في أعمق خصوصياتنا ليحضر المخزن عبر أذياله لبيوتنا وفق استراتيجيات مخابراتية أكثر دهاء باستخدام المتجولون و البائعون و"البركاكات" الذين يقتحمن المنازل من اجل الحصول على أنية أو حاجة خضروية كآلية للحصول على المعلومة من عمق البيت...؟؟؟
عبدالعالي الصغيري

طالب باحث في علم الاجتماع

سيكيزوفرينيا تدبير الشأن الحضري بمكناس

سيكيزوفرينيا تدبير الشأن الحضري بمكناس.
مكناس في 08/11/2013
الساعة:  20:42
في الوقت الذي يتم فيه الحديث اليوم عن المدينة كمدخل أساسي للتنمية والحكامة الجيدة وهلم من الشعارات التي أعيت مسامعنا من قبيل التدبير التشاركي، والنهوض الإقتصادي وتحقيق العدالة الإجتماعية أو النهوض بالوضع الثقافي، ها هي اليوم مدينة مكناس تعكس الصورة الحقيقية لتدبير المدينة بالمغرب التي تتلخص معالمها في اللاأفق واللاإستراتيجية في التدبير عبر سيادة منطق الإرتجالية والتحايل على ساكني المجال المكناسي الذي يعيش الهشاشة والفقر والتهميش الذي تكرسه السياسة العمومية المهترئة والمنخورة من الداخل.
في هذه الأيام وقبيل الزيارة الملكية المرتقبة للمدينة تظهر معالم هذه السيكيزوفرينيا التي انتقلت من مستوى الفرد والمجتمع لتتمأسس وتستوطن في المؤسسات الساهرة على تدبير المشترك والشأن العام. حيث لاحظ المواطنون والطلبة والمثقفون...ما يجري في المدينة من تحول فجائي بين عشية وضحاها من حيث الشكل لا المضمون، تجلت معالمه في زرع نخيل التزيين في الشوارع الرئيسية والورود وتبليط بعض الشوارع الرئيسية التي طالها النسيان، ثم العزوف الحاصل لدى الكثير من المقاهي والمحلات، مواقف السيارات عن احتلال الملك العام أو الفضاء العام كالمعتاد، هذا فضلا عن دوريات الأمن، القوات المساعدة، دوريات شركات النظافة..إنه النفير العام...
ما الذي تحاول في الحقيقة أن تقوله الجماعة الحضارة لمكناس أو المسؤولون عن تدبير وتسيير شؤون المدينة، ما الصورة المفبركة التي يحاولون التسويق لها عن واقع المدينة المزري والمخزي، ولماذا يحرصون أشد الحرص عن عدم المصالحة مع واقع المدينة، لماذا لا يريدون النظر إلى وجوههم في المرآة، لماذا لا يكشفون عن مشاكل المدينة ومما تعاني حتى يتم العمل على تجاوز ذلك...إنه حقا نفاق المؤسسات والسياسات التي أفقدت المواطن عقله وثقته...، لماذا مثلا لا يتحدثون عن حرمان الطلبة الحاملي للبكالوريا من التسجيل بكلية الآداب بعدما وعدهم العميد بالتسجيل وعن تعنيف الطلبة المعتصمين بالحي الجامعي لا لشيء إلا لانهم يريدون رغيفا من الخبز وسكنا يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء...لماذا لا يتحدثون عن مؤسساتنا المدرسية المغرورقة بالمخدرات والتحرشات الجنسية، وعن شوارعنا التي تعيش اللاأمن حتى أضحى المواطن يحس بانعدام الأمن ويدبر الزمان والمكان في كل وقت...لماذا لا يتحدثون عن الفعل الثقافي بمكناس الذي لم يخرج من بوثقة الدوران وإعادة انتاج نفسه كما هو حال الحلقة بالهديم، أو دور السينما التي تنقرض يوما بعد يوم، أو معالم مكناس التاريخية التي تتساقط وتخر معها الذاكرة الجماعية للمدينة...، ولماذا لا يتحدثون عن تغير القيم وتفكك الروابط، عن اقتصاد المدينة غير المهيكل وعن مقاولاتها ومؤسساتها التي تسوقها عقلية الربح على حساب الأزمة، عن وضعيات المستشفيات والمشردين، والمحرومين...
إن الإستمرار في هذا المسار يعكس في الحقيقة غياب الإرادة الفعلية للنهوض بالمدينة المغربية اليوم، التي تتطلب تغييرا جدريا للعقليات الإنتخابوية والموسمية في أفق التأسيس لفعل عمومي مبني أولا على الأخلاق والتخليق للفعل العمومي، ثم الإشراك الحقيقي لجميع الفاعلين وفي مقدمتهم المجتمع المدني والمواطنين، كذلك الإنفتاح بشكل رئيسي على الجامعة والفاعلين الأكاديمين لتشخيص واقع المدينة من أجل الكشف عن مكامن الخلل والعطب، أمر آخر تفعيل منطق المحاسبة والمساءلة. وفي الأخير نتمنى أن تكون الزيارة الملكية للمدينة بداية الشرارة لتغيير حقيقي ينهض بواقع المدينة إلى الأفضل.




دوزيم : مدمرة القيم

مكناس في 20شتنبر2013    00:51
دوزيم : مدمرة القيم.
أضحى الإعلام في مجتمعات الألفية الثالثة يلعب دورا رياديا في التأثير على مختلف مناحي الحياة الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية والثقافية ونظرا لهذا الدور الطلائعي الذي يتقلده الاعلام اليوم فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو، كيف يتم تصريف هذا الإعلام من داخل المجتمعات؟ من يتحكم في الإعلام؟ ما الأهداف والأبعاد؟ وهل هناك ديمقراطية إعلامية؟ من خلال هذه التساؤلات الجوهرية سنسائل القناة الثانية المغربية من خلال الجدل الذي تحدثه لدى العديد من النخب والمثقفين والسياسين؟
سنعالج من خلال هذه الورقة التأثير الذي أصبحت تحدثه القناة الثانية على قيم المغاربة وأخلاقهم بغزوها الممنهج للفضاء الأسري المغربي الذي يعرف يوما بعد يوم جملة من التنازلات القيمية والأخلاقية، لعل أبرزها موجه لضرب عفة المغاربة ونخوتهم وشرفهم، وهو ما تعكف على تمريره المدمرة دوزيم في حربها على الأخلاق والحشمة والعفة من خلال مسلسلات هجينة تأخذ حصة الأسد من البث، والخطير في الأمر هو أن الآباء والأمهات الموكول إليهم دور التربية والرعاية انغمسوا بدورهم في هذا المخاض ليتقاسموا مع أبنائهم وبناتهم قصصا غرامية وثقافات دخيلة بعيدة كل البعد عن عالمنا القيمي والأخلاقي، وعوض أن يكون النقاش المنزلي نقاشا ثقافيا أو علميا أو عن أحوال الدراسة والعمل، تأخذ أحداث المسلسل ولقطات الحلاقات كل أطراف الحديث ولم يعد من خجل أو حشمة في مشاهدة لقطات أو كلمات تخدش الحياء والعفة والكل مطبع مع الوضع.
إن الأمر لا يقف عند هذا الحد بل يغزوا حديث الشباب والشبات من داخل الثانويات والجامعات وفي الشارع العام، ليتم تنزيل ذلك في واقعهم المعاش، وكم هي العلاقات الغرامية اليوم في مؤسساتنا التعليمية وشبكات المخدرات والعصابات المنظمة التي ساهم الإعلام في صناعتها ولا زال ولم يتورع بعد، وهذا في اعتقادنا من الأمور التي أعاقت المعرفة وجعلت المستوى الثقافي للتلميذات والتلاميذ في مستوى الحضيض، وليس غريب أن نجد إحدى الجامعات البريطانية تفصل بين الذكور والإناث.
تتميز كذلك القناة الثانية بمنهجها الاقصائي لكل البرامج التثقيفية والتوعوية وتبقى قابعة في برامج الرقص والغناء وكأنها ترقص على جراح المغاربة الثقافية والاجتماعية، إنها أفيون المغاربة المدمر للثقافة والقيم والمنتج للعار بكل ما يحمله هذا المفهوم من معنى، لأن المنتوج الذي تقدمه للمغاربة يخفي ويضمر في طياته وفي خفاياه قيم الانحلال والتفسخ والجهل من خلال تغييب الوعي الثقافي والقيمي والطبقي حتى لدى المغاربة.
قد يعتقد البعض أن إعادة الأذان لدوزيم هو انتصار ثقافي وقيمي لكنه يبقى غير مجد في ظل هذا الفساد المستشري في ضرب الثقافة والقيم في صميم المؤسسات الاجتماعية التي تهوي يوما بعد يوما في فخ وكمين هذه المدمرة ، وذلك لأنها لا تحترم الخصوصيات الثقافية والقيمية للمجتمع المغربي المبنية على العفة كما هو معروف في القيم الاسلامية لدى المغاربة كالكرم،التسامح والتضامن الإجتماعي، هذا فضلا عن خلفيتها السياسيوية وديكتاتوريتها في تنزيل البرامج السياسية والتوعوية عبر تغليب فئات وآراء على حساب أخرى.
بالإضافة إلى أن دوزيم مدمرة القيم فهي تصنع وتخلق عدة إشكالات ومشاكل إجتماعية كالتفكك الأسري، تغييب الثقة بين أفراد المجتمع، تضليل الرأي العام والمساهمة في تفشي الجريمة كما هو الشأن في برنامج أخطر المجرمين الذي يرسم صورة سلبية عن المواطن المغربي والذي يربط ارتكاب الجرائم بالفئات المهمشة والمحرومة اجتماعيا ويتغاضى عن الجرائم التي تساهم في اختلاق هذا كله كجرائم اختلاس المال العام والجرائم الانتخابية ونهب خيرات البلاد واحتكار الاقتصاد، وجرائم دوزيم، كل هذا ساهم في خلخلة جملة من القيم في مجتمعنا المغربي وساهم في انعدام الأمن الروحي والمادي، لهذا يمكن القول أن دوزيم مدمرة القيم.
عبدالعالي الصغيري


الجماعات المحلية والملحقات الادارية :استنزاف لاموال المواطن (وفي مقدمتهم الطلبة) وتماطل في قضاء مصالحه :

الجماعات المحلية والملحقات الادارية :استنزاف لاموال المواطن (وفي مقدمتهم الطلبة) وتماطل في قضاء مصالحه :

   في الوقت الذي تنادي فيه الشعوب بالتحرر و الكرامة و الحرية و العدالة الاجتماعية ، وتوفير ادنى الشروط الاجتماعية للعيش الكريم ، لا زالت اداراتنا المغربية تمارس سياسة التماطل و التسويف ، ومراطون ( سير جيب هاد الورقة ، لا ماشي هادي ، سير لمقدم ....) كلها امور لا زالت حاضرة بمجتمعنا الذي انغمس في هكذا ممارسات تضع المصالح الذاتية في أولى الاولويات ، وتبقى مصلحة المواطن في ادنى المراتب ، حيث اضحت مؤسساتنا الادارية تمارس قهرا يندى له الجبين من تحقير وتدنيس لحرمة المواطنة لتحل محلها تيمة التعارف و القرابة (باك صاحبي... )بدل مفهوم المواطنة الحقة والعدالة الخدماتية .

اذ تأتي هذه الكلمات و هذه الاسطر لما لاحظناه مؤخرا عند ولوجنا لبعض الملحقات الادارية من خروقات وتعاملات لا ترقى لطموحات الشعوب التي ناضلت من اجلها الحركات الاجتماعية و الاحزاب السياسية الوطنية و جمعيات المجتمع المدني ، اذ لا بد ان نشير هنا للرسوم المحلية التي اصدر بموجبها مرسوم اداري ب
أداء درهمين على هذا المرسوم خصوصا في مصلحة تصحيح الامضاءات و مطابقة الوثائق ، ولا شك ان اكثر المتضررين هم الطلبة والفئات المهمشة اجتماعيا ، اذا هو تكريس لافقار الفقراء و اغناء الادارة (الداخلية) ، وها هم الطلاب اليوم الذين اتو من اماكن بعيدة للتسجيل بالجامعة او مراكز التكوين... و المطلوب منهم توفير الكثير من الاوراق والالتزامات ... وكاننا نريد ولوج جامعة اكسفورد أو وكالة الفضاء نازا ، هاته التعقيدات والعراقيل كلها تبين بوضوح تام اختلال الادارة المغربية في تدبيرها للشأن العمومي و المواطناتي ، وكم كنا نسمع ان البطاقة الوطنية الجديدة تعفيك من كثير من المتطلبات لكن واقع الحال هو هو .

لنعد و نعرج على مسالة الرسوم المحلية و هي التي اثارتنا في هذه الواقعة حيث ان المسؤولون مثلا في مصلحة تصحيح الامضاءات يتقاضون من مواطنين ثمن هذه الرسوم في حين يتغاضون عن بعضهم ، ها انا الاحظ اشارت و تعبيرات للوجه لدى هؤولاء المسؤولين اصبح المواطن متطبعا معها و يفهمها بسرعة (كيطيرها فالسماء...) لتاخدنا في عالم من المدلولات و الرموز التي انتجت منتوجا ثقافيا للفساد و الرشوى و الزبونية و المحسوبية .

في منحى اخر من معاناة الطالب الجامعي ،فبعدما سمع سماسرة العقار و دور الكراء الزيادة المحتشمة في منحة الطالب ، أسرع هؤولاء في الزيادة في اثمنة اجارة هاته المنازل بارقام تبدو خيالية فأصبح هؤلاء يضعون حسابات
معينة و معايير معينة لاكتراء المنازل ، ففي جولة لنا بالاحياء المجاورة لكلية الحقوق بمكناس و استقصائنا في هذه المسألة تبين لنا انه الان يتم التعامل مع العدد الذي سيقطن البيت ، فان كان سيقطن البيت شخصين يكون الثمن 500 درهم وان كان ثلاث اشخاص يرتفع ل 750 درهم وهكدا بمقدار 250 درهم للطالب او الطالبة ، كل هذا سيساهم في تازيم وضعية الطالب الذي سيتقاضى ان افترضنا الزيادة في المنحة 1500 درهم في ثلاثة أشهر يعني 500 درهم للشهر سينتقص منها 250 درهم للشهر الباقي 250 درهم فهل هذا الثمن سيخصص لاكله او لكتبه ومطبوعاته... انها معاناة حقيقية لا زال يقبع فيها الطالب المغربي حقا . وكيف نتحدث عن التقدم العلمي ولا زالت وضعية الطالب الاجتماعية تبكي الفؤواد .... تستمر المعاناة ، تستمر الحياة ، يستمر الامل…

عبدالعالي الصغيري 

مكناس في 28غشت 2012


آثار الأفلام المد بلجة على الأسرة المغربية *الواقع و المآل*

آثار الأفلام المد بلجة على الأسرة المغربية *الواقع و المآل*
لا طالما شكلت مؤسسة الأسرة وعاء اجتماعيا تتفاعل فيه خلطات متنوعة تنتج لنا في كل مرة قوالب ومعايير معينة تشكل أنموذجا  لاستشراب القوانين المنظمة للبنى الاجتماعية وتنشئة الذات الإنسانية وفق ما تحدده المعايير الثقافية ، هذه الأخيرة التي تتداخل فيها عدة مستويات من التكوين والتشكل والتي تارة ما تكون متماسكة وتارة أخرى تصيبها الهشاشة . فعن أي ثقافة نتحدث في المجتمع المغربي ؟ وهل المجتمع المغربي يملك ثقافة ؟ هل هناك ثقافة أم ثقافات؟ هذا من جهة ، من جهة أخرى ، ما الأسرة المغربية ؟ هل هناك نموذج محدد يميز الأسرة المغربية ؟ بأي معنى يمكن الحديث عن التقليدانية و الحداثة أو المحافظة والمعاصرة بالنسبة للأسرة المغربية؟
من خلال هذا الطرح الأولي المليء بالكثير من التساءلات الجوهرية والممكنة في إطار محاولة فهم و تفسير قضية من القضايا التي تعيشها أسرتنا المغربية اليوم والتي عنوناها « الأفلام المدبلجة والاسرة »، واقع و مال ، يمكننا مساءلة هذا التحول والتغير في بنية الأسرة ،فانطلاقا من الملاحظات التي قمنا بها  ،  يتبين أننا أمام متغيرات ملموسة على مستوى الأدوار  والسلطة و القيم ، مستويات قد تسعفنا لفهم ما يجري اليوم .
مما لا يختلف فيه اثنان أن النقاش حول الأفلام المدبلجة من داخل المجتمع المغربي ليس وليد اليوم بقدر  تجدره و تغلغله في البنية الثقافية وفق  تقسيمات اجتماعية معينة ، إذ أنه وفي فترات معينة من مراحل تغير الأسرة المغربية كان ما يسمى « المسلسل المكسيكي » طابو من داخل بعض الأسر  وبعضها الأخر يشاهدها خلسة عن كبار البيت و العائلة وكانت آنذاك تعرض باللغة العربية الفصحى حيث كان عرضها منسجما مع وقت فراغ الأمهات و البنات من أشغال البيت ليجدن ملاذهن في ملء فراغهن في هكذا لاحظات تقحمهم في عالمم من الاحلام و الخيال لسيناريوهات تفنن صانعوها في الباسها حلة وقوالب معينة لأشكال بناء الأسرة و الزواج في النموذج الغربي، الأمر الذي بدأ يقتحم شيئا فشيئا عالمنا الاجتماعي الذي لم يتعود على مثل هذا البناء في أشكال تشكل العلاقات الحميمية التي كانت لا تخرج عن المباركة الأبوية والاجتماعية في غالب الأحيان.
أضحينا اذن أمام نقلة شاملة وعميقة للثقافة و الاعراف و التقاليد التي لم تعد قادرة على الثبات و المقاومة او الصد ، تنازلات ثقافية بالجملة ،غيرت معالم هويتنا ، غيرت قيم التضامن الاجتماعي ، بين الاقارب ،أهل الحي ، والأصدقاء ، فلما كانت الجموع أو التجمعات سواء داخل الاسرة أو في كنف العائلة ، تتم في جو حميمي ، علمي معرفي وأدبي ، حيث القصة و المسرح ، الروايات و مدارسة القرآن و الآحاديث النبوية الشريفة ، لما كان يتربع كبار السن على كرسي تدبير و تسيير الجلسات العائلية أو الاسرية ، يحكون تجاربهم في الحياة ، مغامراتهم ، وكيف تجاوزوا الفترات العصيبة ومعاناتهم في ذلك ، يقدمون لمن هم في مقتبل العمر دروسا و عبر ، نصائح و حكم قد تسعفهم لعدم تكرار نفس الاخطاء التي وقعوا فيها منبيهين إياهم للطرق المختصرة المؤدية للنجاح حتى لا يكرروا تجاربا قضوا فيها هم سنين عتيا حتى وصلوا الى ما وصلوا إليه من بناء أسرهم و تغلبهم على عقبات الحياة العصيبة .
واقع الحال اليوم في مجتمع الاسرة لا يكاد يبشر بخير ، نظرا للتفكك الحاصل على مستوى التغير القيمي ، علاقات الاباء بالأبناء و العكس ، ثم تعدد وسائل وأساليب التنشئة الاجتماعية ، ونخص بالذكر هنا وسائل الاعلام هذا الدخيل الذي أفسد أسرنا أكثر مما أصلحها ،أقبرها في تمرير اللاثقافة و اللاوعي ، وطفى بها في بحر الأحلام والخيال البعيد كل البعد عن واقعنا السوسيوثقافي ، لينتج و على وجه السرعة ما يمرر في الاعلام على أرض واقعنا ، من تقمص ومحاكاة لمن يقدمهم الاعلام و للأسف أنهم ناجحون في الحياة أويعيشون السعادة ، وأي سعادة تلك و أي نجاح ذاك ، هل النجاح المادي و الغنى نجاح ،وهل جمال المرأة وشكل لباسها أو مظهرها نجاح ، أم أن نجوم السينما أو كرة القدم ، والمغنون هم الناجحون ، وهل هي فعلا قوالب و نماذج لتحقيق السعادة وعن أي سعادة يمكن الحديث هل سعادة هذا العالم أم العالم الآخر  للإنسان المسلم .
وكم يعجب الانسان للمتشدقين بالمدافعة عن حقوق المرأة وحريتها ، وهم لا يعرفون عن المرأة شيئا ، لا يعرفون كيف كرمها الاسلام ،و حفظ حقوقها وصان كرامتها ، لا يعرفون أن صلاح المجتمع رهين بصلاح المرأة ، لا يعرفون مقولة «  الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الاعراق »، لكنهم دافعوا عن انحلالها وجعولها ماركة مسجلة للتبضع ، وخلقوا منها ديكورات اقتصادية ،سياسية ، وسياحية ،حتى أضحت عنصرا ثانويا من داخل المجتمع ، فمتى كانت المرأة هكذا ، متى كانت المرأة تجمع أطفالها الصغار حولها لمشاهدة فيلم مدبلج ، يدنس ذاكرتهم وعقولهم بثقافات دخيلة ، يصعب محوها لديهم وفقا لمقولة « التعليم في الصغر كالنقش على الحجر » ، ومتى كانت التلميذات و التلاميذ من داخل مؤسساتنا التعليمية يتبادلنا القبل أمام مرأى الجميع دون أن يحرك أحدهم ساكنا ، ومن أحدهم هذا ليتجرأ فلربما قد يلقى حتفه ( في محاولة تغيير المنكر) ، فما الذي علمه الفيلم المدبلج لأطفالنا و شبابنا و شباتنا سوى  هذا أو أكثر من هذا ، علمهم أن التلميذ المشاغب هو المحبوب عند الفتيات ، علمهم أن  الخروج عن طاعة الاستاذ هي الرجولة ، علمهم وعلمهن مقارعة الاباء و الامهات في الاخلاق و الحرية وأي حرية تلك وأي أخلاق، مقارعة أنتجت ضبابا كاحلا حول ما هو كائن أو ما ينبغي أن يكون ، بين « ولاد البارح و لاد اليوم » فمن يتحمل المسؤولية في هذا كله ، هل يمكن ارجاع ذلك لغياب ثقافة النقد و طغيان ثقافة الاستهلاك ، ولماذا تجرفنا التيارت و الفياضنات الثقافية الدخيلة دوما ، ومتى يكون لنا أساس و بنيان ثقافي متين نعول عليه .
عبدالعالي الصغيري





الإسلام والعقل.

يأتي الحديث عن هذا الموضوع ردا على من يعتبر أن الدين الإسلامي يشكل عائقا أمام المعرفة العلمية العقلية كما هو الحال في القرون الوسطى بأوربا حيث كانت الكنيسة تشكل عائقا أمام تقدم العلوم والمعارف، فهل من المعقول مقارنة كنيسة عصر الظلمات بأوربا بما جاء به الإسلام، خصوصا في هذه المرحلة التي عرفت فيها المجتمعات الإسلامية ازدهارا علميا؟ وبأي معنى يمكن ربط تخلف الدول الإسلامية اليوم بتفكيرهم الديني؟ وإلى أي حد لا تنسجم المفاهيم الدينية التي جاء بها الاسلام مع المفاهيم العلمية؟

لقد اعتنى الاسلام بالعقل وقلده مكان الريادة، وأعلى من مكانته وقيمته ، ويحفل به وبوسائل الإدراك- عامة- ويشير د. القرضاوي إلى أن العقل هو المنحة الكبرى للإنسان، لذا كان تحريره من كل ألوان الأسر والرق والحجر عليه والحجب عن التفكير الحر، والتعلم المستقل، والبحث الدؤوب، هو من أعظم ما دعا إليه الإسلام في كتابه وسنة نبيه وفي أصوله الفكرية والدينية. فالإسلام حرر العقل من أسر الخرافات والأباطيل، وكثيرًا ما دعا القرآن المسلمين خاصة وأهل الأديان عامة إلى أن يجعلوا البرهان العقلي اليقيني هو الحكم بينهم فيما يختلفون فيه من أمور.كذلك حرر العقل من أسر التقليد سواء كان اتباعًا للآباء أو السادة والكبراء أو حتى سلطان الأساتذة والشيوخ، فضلاً عن اتباع العامة، وهو ما حذر منه نبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وسلم) بقوله "لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا".
كما حث الإسلام على النظر في الكون بأرضه وسماواته ومخلوقاته.. ليس لمجرد النظر ولكنه نظر العقل المفكر المتأمل المتدبر، لذا كان للعلماء مكانة لا تساويهم بغيرهم "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" (الزمر: الآية 9).
في هذا السياق يمكن الحديث عن ثنائية العقل النقل فهناك من يعترف بالعقل وحده مصدرًا للمعرفة، ولا يعترف بمصدر سواه، ومنهم من لا يعترف إلا بالنقل أو الوحي مصدرًا للمعرفة والحقائق كلها ولا يعترف بمصدر آخر.http://www.aljazeera.net/App_Themes/SharedImages/top-page.gif
ومنهم المتوسطون الذين يجعلون لكل منهما سلطانًا ومجالاً يصول فيه ولا يجور على سلطان الآخر، وذلك من أبرز معالم المنهج الوسط للأمة الوسط، الموازنة بين العقل والنقل، أي بين أفكار العقل الإنساني ونصوص الوحي الرباني. وما يميز هؤلاء هو أنهم وضعوا الضوابط المنهجية للتعامل مع النصوص الدينية، والتي من شأنها أن تقيم توازنًا بين النظرة العقلية والنظرة النقلية بلا طغيان ولا إخسار، من مثل أنه لا تعارض بين عقل صريح ونقل صحيح، ووصل النصوص الجزئية بالمقاصد الكلية، وفهم السنة في ضوء القرآن.. وغيرها من الضوابط المعتبرة.
ويقول د. أحمد رشاد حسنين في مقال له بعنوان  المنهج الإسلامي والتفكير العلمي أن شمولية المنهج الإسلامي ومنطقية عقيدته التي تستلزم ـ أن تكون مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالعقل البشري مناقشة وبحثًا وتمحيصًا من خلال كل ما يقع في محيطه من ظواهر وموجودات، ولعل طبيعة الإسلام في دعوته هذه جعلته بالضرورة يرسي قواعد ثابتة هي في حقيقتها، ومن أهمها ما يلي:
1 ـ   دعوة القرآن إلى التفكير والتدبر والبحث في مظاهر الخلق والموجودات في السماء والأرض، ووضوح هذه الدعوة بصورة مكثفة في القرآن ـ دفعت بعض الباحثين إلى اعتبار التفكير فريضة اسلامية.
2ـ   التعويل على دور اليقينية العلمية التي لا يمكن أن تتحقق إلا بمنهج التجربة ذات البرهان الحسي.
3ـ   وحدة الإنسان مع محيطه وفي واقعه.
4 ـ   تساوي الوحدات النوعية للأشياء في الأهمية واليقينية العلمية.

ولم يكتف المنهج الإسلامي بهذا بل فرض ودعا إلى تهيئة المناخ لانطلاق العقل البشري وإزالة كل العوائق أمام التقدم العلمي وغيره من صور التقدم الإنساني، ونذكر من ذلك:

1 ـ   تحرير الإنسان من كافة أشكال العبودية.
2ـ   الدعوة إلى طلب العلم والحث عليه.
3ـ   بيان فضل العلم والعلماء وإعلاء منزلتهم.
4ـ   التحذير من كافة أشكال الخيانة العلمية سواء بالكتمان والإخفاء، أو التشويه: بالتدليس والتزوير والقطع، أو بالادّعاء مما ليس من العلم.

ولعل من نافلة القول أن نذكّر بأن قضية التقاء الدين بالعلم قد فاض فيها البحث وكثرت بشأنها البراهين من قبل كثير من الباحثين والعلماء ومفكري الأديان من الشرق والغرب وقد ذكروا ما يصعب حصره من الحقائق العلمية التي تدور في دائرة الدين، وتردّ في نفس الوقت على مزاعم ودعاوى كل أصحاب الاتجاهات اللادينية، وفي هذا الإطار أبرز الباحثون والعلماء المسلمون قضية إعجاز الإشارات القرآنية، وصحح بعضهم طريقة السير في هذا الاتجاه وما ينطوي عليه من مخاطر حينما أكدوا أن آيات القرآن وخاصة الكونية منها إنما هي مصدر أساسي ومحك رئيسي للحكم على صدق الحقائق العلمية من عدمه وليس العكس.

 من هنا يتبين أن الإسلام كرم العقل والفكر وأشاد بأولى الألباب والنهى، ودعا إلى النظر والتفكر، وحرض على التعقل والتدبر، وقرأ الناس في كتابه: (أفلا تعقلون)، و(أفلا ينظرون)، و(لعلكم تعقلون)، و(لعلكم تتفكرون)، و(أو لم ينظروا)، و(أو لم يتفكروا)، و(لآيات لقوم يعقلون)، و(لآيات لقوم يتفكرون).
ومن أروع ما جاء في القرآن قوله: (قل إنما أعظكم بواحدة، أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا). ومعناه: أنه لا يطلب منهم إلا خصلة واحدة، وهي أن يتوجهوا بعقولهم وقلوبهم إلى الله الذي يؤمنون به، وبخالقيته للكون وتدبيره لأمره، مخلصين في طلب الهداية إلى الحقيقة، بعيدا عن تأثير "العقل الجمعي"، وعن الخوف من الناس أو المجاملة لهم، كل فرد مع صديقه ممن يثق به، ويطمئن إليه، أو يفكر وحده، وهو معنى قوله: (مثنى وفرادى).
عبدالعالي الصغيري
21شتنبر2013 الساعة23:41

.



السياسة الحضرية وتدبير المجال المديني حالة المغرب

logo-rumi[1]

  جامعة المولى إسماعيل  مكناس                                                        مسلك علم الاجتماع
كلية الآداب و العلوم الإنسانية                                                          السداسي الخامس






السياسة الحضرية و تدبير المجال المديني
المغرب نموذجا






            إعداد الطالب :                                                                            تحت إشراف الدكتور :                              
عبدالعالي الصغيري sghiri abdelaali                                                               عبدالمالك ورد
   

2011- 2012م
1432-1433هـ

 
السنة الجامعية :


تقديم :
يعتبر موضوع المدينة موضوعا مشتركا تتقاسمه العديد من التخصصات ، و بذلك يمكن أن نتحدث عن مدينة الجغرافيين ، و التي يتم التركيز فيها على المجال و التهيئة ،ثم هناك مدينة الاقتصاديين ( الإنتاج ، التسويق و الاستهلاك ...) ثم هناك ما يسمى مدينة السوسيولوجيين  ، وما يميز هذه الأخيرة ( السوسيولوجيا ) هو البحث في الخفي من الرهانات الاجتماعية حول موضوع السلطة في المدينة .(1)
وإذا كان الفضل يعود إلى البحث الجغرافي والجغارفيون، في دراسة المجال الحضري وإبراز خصوصياته ومشاكله، فإن باقي العلوم الاجتماعية الأخرى وعلى رأسها السوسيولوجيا قد اهتمت هي الأخرى منذ نشوءها للظاهرة الحضرية، وهذا ما يمكن ملاحظته مع الرواد الأوائل المؤسسين لعلم الاجتماع ( ماركس، دوركايم فيبر، زيمل...) وكذلك مع رواد مدرسة شيكاكو والذين يعود لهم الفضل هم الآخرون في إنتاج تراكم نظري ومنهجي لا يستهان به حول جل الإشكالات المتعلقة بالمسألة الحضرية.
لقد عرف المغرب عملية أو ظاهرة التحضر مثله في ذلك مثل باقي البلدان التي في طور النمو، وإذا ما تتبعنا سيرورة التحضر بالمغرب  ، فإننا سوف نلاحظ بأن ظاهرة التحضر فيه لم تأتي نتيجة لنمو طبيعي وتحول عادي في بنياته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية... وإنما جاء نتيجة لتدخل الأجنبي مع حركة التوسع الإمبريالي في بداية القرن العشرين، مما أدى إلى ظهور تفاقم الاختلالات بنيويا ومجاليا لعل أهمها هو تكريس التبعية بمختلف أشكالها سواء منها الدولية في إطار علاقات التبادل اللامتكافئة بين المغرب والدول الرأسمالية أو الداخلية في إطار العلاقات اللامتكافئة بين البادية والمدينة التي كان من نتائجها تحول عدد كبير من سكان المغرب بين عشية وضحاها من سكان قرويين إلى سكان حضريين يقطن جزء  منهم في مدن الصفيح.
إذن فما هو واقع المدينة المغربية؟ وما الإشكالات التي تعاني منها؟ وما موقع التنمية الحضرية والمدينية في سياسات التنمية الوطنية؟  ماهي تحديات إعداد المجال الحضري؟ وإلى أي حد يمكن أجرأة كل بنود التنمية الحضرية التي تضمنتها الخطط والاستراتيجيات والبرامج والمبادرات التنموية التي سنها المغرب لتهيئة المجال الحضري؟


مع بداية تراجع الدولة المغربية في التدخل كفاعل مباشر في التنمية الاقتصادية والشروع في تطبيق سياسة التقويم الهيكلي وفتح المجال لفاعلين محليين في إطار القطاع الخاص والمجتمع المدني، أصبح المغرب أمام تحديات جديدة تفرضها عليه حركة العولمة بالإضافة إلى التحديات والمشاكل الداخلية التي تعطل عملية النهوض بالتنمية المحلية في المجال الحضري ، مما أدى إلى طرح المشكلة بحدة في الآونة الأخير من أجل بناء سياسة وطنية قويمة وطموحة لإعداد التراب الوطني، وبالتالي إعداد وتهيئة وتنمية المجال الحضري، ومن ثمة تمت صياغة الميثاق الوطني لإعداد التراب، كما تم عقد حوار وطني حوله، ليتم الخروج بمجموعة من الخلاصات والتوجهات والأسس التي ينبغي الاعتماد عليها في إعداد التراب الوطني ومن بينه البرنامج الحضري، كما أن تفاقم الوضعية الاجتماعية وتدني المستوى المعيشي وانتشار الفقر وضعف البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية وانتشار البطالة والأحياء الصفيحية...قد أدى كل هذا بالمهتمين والمعنيين إلى الانتباه لخطورة الوضع، مما أدى بهم إلى إعادة النظر في صياغة الخطط والاستراتيجيات التنموية، فجاءت بعض البرامج والمبادرات والاستراتيجيات التنموية، كبرنامج مدن بدون صفيح، والبرنامج الوطني لمحاربة الإقصاء في الوسط الحضري وإستراتيجية التنمية الحضرية المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وغيرها من البرامج الأخرى التي تهدف إلى تحسين وضعية الفرد والرفع من مستوى معيشته.(2)
من هنا أصبحنا نتحدث غن مفهوم الحكامة الحضرية التي تعتبر في قاموس التدبير الرشيد، كآلية تنموية تسهل عملية مشاركة السكان في تحقيق أهداف التهيئة وفق رؤية إستراتيجية مؤسسة على مقاربات التنمية البشرية المستدامة، وهي نتيجة حتمية لإعادة ترتيب علاقة المواطنين بالفاعلين المحليين والجهويين في ظل ديمقراطية تشاركية بدل الديمقراطية التمثيلية . و هي إذن دعوة صريحة إلى تجاوز حالة اللاتوازن الناتج عن أحادية صنع القرار دون مراعاة المنطق العلمي المؤسس على عناصر المشاركة في مختلف مراحل إعداد المشروع من التشخيص على البرمجة والتنفيذ ثم التقييم والمحاسبة في إطار سيرورة تمتاز بالشفافية والعقلانية.(3) فالإعداد والتنمية والتهيئة كلها مفاهيم تقنية تصب في ضرورة التنظيم النسبي للمجال حسب ما يعرفه من إمكانات ثقافية واجتماعية واقتصادية وايكولوجية، فهو التوفيق بين الشكل والمضمون والمحتوى المادي، يهدف إجرائيا وعمليا إلى إزالة الحدود بين مستويات المجال الوطني والمحلي وإلى العدالة بينهما في توزيع مدخلات ومخرجات التنمية المستدامة.
هكذا اذن، ومن خلال كل هذا سنحاول مقاربة و فهم التدبير المديني للمجال وفق هذه المتغيرات التي شهدتها السياسة الحضرية أو المدينية بالمغرب ، فإنتاج المجال بالمغرب يعرف تطورا مهما وتحولات مهمة في مقارباته ومبادئه، أفرزتها عوامل سوسيو-اجتماعية مهمة كالهجرة والنمو الديموغرافي...، وقد أفضى هذا التطور إلى إفراز ثنائية مجاليه تتجلى في بروز مجالات تتسم بالعقلانية في التدبير، محكم بمجموعة من المتغيرات الثقافية والاجتماعية، ومجالات تتسم بالتلقائية وتفتقر إلى مقومات التعمير المنظم من حيث الشكل والمضمون . (4) ، وذلك نتيجة للوفرة في الأزمات التي يعرفها هذا المجال، الواضحة بقوة في أشكال التنافر بين الإنسان والمجال، المترجمة في التمرد على الشكل والمضمون من طرف المستهلك، الذي يبحث من خلال منطقه الاجتماعي عن مستوى للتعايش مع الفضاء، الذي أنتج من خلال مقاربات تقصي جانب المعرفة والفهم في الإطار المنطقي المنظم لمراحل تطور المجال الحضري - الإنتاج، الإعداد والتدبير- .
ومن جهة أخرى، فغياب التذويب الميداني لثقافة المجتمع في مراحل التطور الحضري، يجعل معظم المتدخلين يواجهون حالات من الأزمة، ويجعل هذا القطاع مختلا على مستوى المخرجات والممارسات، فمن السهل أن نجد كثيرا من مظاهر الأزمة مرتبطة أساسا بالمبادرات الاستعجالية - أحياء إعادة الإسكان- في مجال التعمير، التي تكشف للملاحظ ما يعاني منه مجال التدبير الحضري من خلل على مستوى مقارباته ومبادئه وفلسفته.
إن الهدف من هذا المستوى من الفهم والتحليل، هو التأكيد على حتمية ما يمكن اعتباره طريقة جديدة في إنتاج المجال المديني ،تسعى إلى جعل إنتاج المجال غير مفروض، بل توافقي وتشاركي مع المجتمع المعني، ومؤسس على الفهم والمعرفة بالثقافة والأفكار السائدة للمستهلك والمستفيد .(5) إن دينامية من هذا القبيل، كفيلة بأن تهيئ الأرضية الملائمة للقيام بمجموعة من الإصلاحات السياسية، من شأنها أن تساهم في تعزيز اللامركزية، وتوسيع مشاركة السكان، من خلال تعزيز مبادئ المشاركة والتشارك والعدالة والشفافية والإدماج.
هذه المبادئ العامة للمنهج الحديث في التدبير، جاءت كعناصر أساسية لموضوعات الحكامة التي تعتبر كآلية للتدبير الرشيد والحكيم للموارد المكونة للمجال، بهدف تحقيق التوازن والاستدامة في التهيئة. وتتأسس على مجموعة من المتطلبات، أهمها الإشراك والمشاركة بين القطاعات المؤثث للمجال، من خلال مجموعة من القنوات المؤسساتية والقانونية، التي تمنح الفاعل والفرد الكفايات المناسبة للتوافق على أرضية مشتركة لعملية الإعداد يكون فيها للرأي والرأي الأخر حضور فعلي دون عمليات الحجر على رأي أي جهة.(6)
       لقد تطور المجال بالمغرب عبر مراحل كرونولوجية مختلفة من حيث فكرة الإعداد ومقاربات التدبير، و يمكن لمس هذا التطور بشكل واضح في تفاوت شكل المعمار، الذي يعتبر مرآة تعكس ما لصانعه من منطق علمي وعملي في توظيف مدخلات الاستقرار المديني، فالمدينة القديمة (في مدينة الدر البيضاء، طنجة، مراكش...) كأول نواة حضرية أنتجت وتطورت في سياق تاريخي له خصوصية اجتماعية وثقافية متميزة وواضحة في شكل المعمار ومورفلوجية المجال، العاكس بامتياز لثقافة المنتج المؤسسة على التضامن والحوار وحسن الجوار والمحترم للخصوصية الدينية في ما يحمله من أشكال البساطة في المعمار، الذي لا يعبر عن المستوى الاجتماعي للقاطنين بشكل واضح، والكاتمة لأفعال وسلوكيات الأفراد اليومية ، انطلاق من انغلاق المنازل على الخارج وانفتاحها على السماء من الداخل .
هذا النموذج في الإعداد سيعرف اختلاف وتطورا مع بداية الاستعمار، الذي سيعمل في كثير من المدن المغربية على تأكيد حضوره الثقافي وعلى رغبة في الاستقرار الثقافي من خلال إنتاج وإعداد وتدبير المجال الاورومغربي، الحامل في شكله ما وصل إليه المنتج من تطور في مجال الفن المعماري، والعاكس للخصوصية الثقافية للصانع، والمحترم من جهة أخرى للثقافة المحلية من خلال ما حاول أن يطبع به معماره من ثقافة الأخر، تعبيرا على القبول بالحوار والثتاقف الاجتماعي. انطلاقا من اعتماده القرمود والزليج كناصر أساسية في تزيين الكثير من البنايات، والتي توحي للملاحظ بطغيان المقاربات الفنية والثقافية في الإعداد .(7) تستمر سيرورة تطور إنتاج المجال الحضري من حيث الشكل لتظهر بعد الاستقلال المدينة الحديثة أو المدينة المغربية، التي تأسست وتطورت في سياق اجتماعي يعرف الوفرة في المشاكل، و لعل أهما التزايد الديمغرافي لسكان المغرب في العقود الأخيرة، وارتفاع معدل الهجرة القروية نحو المدن وارتفاع معدل البطالة والفقر... فضلا عن فشل سياسات الدولة الحديثة التي ظلت تتميز بطابعها القطاعي الجزئي الأحادي البعد. بالإضافة إلى بعض العوامل الأخرى كضعف وثيرة النمو الاقتصادي، وسياسية التقويم الهيكلي التي زادت من تعميق الاختلالات البنيوية في المجتمع المغربي وتأزيم الوضعية الاجتماعية على حساب التطلع إلى تنمية اقتصادية مجهولة الأفق، والتي لم ينل منها الإنسان المغربي سوى الفقر والبطالة و والتهميش والإقصاء والتشرد...(8) مما كان له الأثر في تحرير المبادرة في البناء بهدف امتصاص الأزمة الحاصلة في السكن خاصة، تتأسس هذه المبادرة عموما على مقاربات ومبادئ تحقيق الربح ، التي تبنتها لوبيات يتعارض منطقها مع منطق التدبير الحضري ويتوافق مع منطق وقواعد الليبرالية التي تحقق الربح على حساب الأزمة، وكمنتوج عرف المجال ظهور مجموعة من التجمعات السكنية التي تحمل في أشكالها الخارجية جميع متغيرات التفاهة واللاثقافة من حيث الألوان والأشكال الهندسية التي تظهر كزوايا قائمة تعبر عن رغبة الصانع في الربح . الشكل كأهم متغير يوضح الخصوصية في الثقافة الحضرية، نجده في مدينة الدار البيضاء كنموذج هو شكل أزمة في العديد من التجمعات السكنية، يوضح البعد عن كل ما هو ثقافي واجتماعي والقرب من التعمير التلقائي التي مجلات تفتقر إلى مقومات الثقافة وتتوفر فيها شروط التفاهة .(9) واذا ما حاولنا استقراء المجال الحضري بالمدن المغربية نجده من حيث كرونلوجية تطور المجال يتجه من وضع الإيجاب في اتجاه السلب، المعبر عنه بوضوح فيما أنتج بعد الاستقلال من طرف المبادرة الحرة ، التي اعتمدت في مبادئها الميدانية أسلوب التلقائية والسرعة في إنتاج التجمعات السكنية .
واقع يوضح الأزمة في فكر الإعداد ومقاربات الإنتاج التي تعرب الإنسان المستفيد من متنوجها كمفعول به فاقد للأهلية والخصوصية، ومستهلك لا منتج وهدف لا محور من كل عملياتها، هذا نلمسه فيما يعرف بأحياء إعادة الإسكان التي أنتجت لتدبير الأزمة التي تعرفها الحواضر ولعل أقرب مجال يوضح لنا التنافر في المضمون والحاجيات هو مجال التشارك: الذي أنتجه مدبرو التراب المديني لإعادة إسكان قاطني كريان ابنمسيك الواضح فيما خضع له من تغيير على مستوى المضمون الذي لم يتوافق ويتطابق ولو نسبيا مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية لهذه الشريحة من السكان، فمجموع الشقق تحولت شرفاتها على غرف للتخزين في أحسن الأحوال وللسكن في أقصاها، فالمدبر لهذه العملية والواضع لتصورها الهندسي لم تكن له من المعرفة ما يكفي بحاجيات هذه الساكنة وبأولوياتها وبخصوصياتها الديموغرافية والثقافية، مما أثر بشكل سلبي على استغلال المجال، فالتغيير في المضمون يعتبر في منطق المستغل كرد فعل ضد إقصاء حاجياته في الإنتاج، فهل يحتاج ساكن التشارك في ثقافته اليومية إلى الحمام اليومي أم يحب حمام الدرب الذي يعتبر بالنسبة غليه مجالا لتبادر الآراء والأفكار والنقاش حول مشاكله اليومية العائلية والاجتماعية مع الجيران.
لنتقدم أكثر في تقديم أزمة المضمون بالفهم ، ننتقل إلى الدرب ثم الحي، الذي نجده في واقعه يقصي ثقافة التضامن الاجتماعي التي تميز المغربي، فمجموع التجمعات السكنية تكاد تخلو من مجلات الترفيه كالمساحات الخضراء التي تغيب في حي التشارك والتي عبر مجموعة من قاطنيها عن رفض إقصائها في عمليات الإعداد بالتمرد على المجال وعلى تصميمه بوضع مجموعة من المساحات الخضراء تنطلق من المبادرة الفردية لتعم المبادرة الجماعية التي يشارك فيها أبناء الدرب تعبيرا عن ثقافتهم، وهذا أقل ما يمكن القول عن واقع المضمون، الذي يعكس لنا مقاربة الصانع.
الشكل والمضمون متغيرين يوضحان الأزمة في الإعداد بامتياز ويعكسان مقاربة التطبيق المعياري في إنتاج المجال، بدل مقاربة المعرفة والفهم، فالمهندس والمقاول والمعماري في المدينة المغربية لم يتحكم ويحتكم في رؤيته وتصوره للمجال للمتغير البيئي والاجتماعي والثقافي، واهتموا بالبحث عن أقصى ما يمكن صناعته لاستغلال المجال واضعين في تمثلهم تقنيات الرسم والخطوط و البناء.
النتيجة واضحة في التنافر بين الإنسان والمجال وفي ما أنتج من سلب في مخرجات الإعداد، تنطلق من التمرد على المنتوج بالتغيير والتعديل إلى العنف الاجتماعي والإجرام وغيرها من الظواهر الاجتماعية السلبية بالأحياء الهامشية، إلى تحول المجال في التمثل والتصور من مجال معاش إلى مجال مدرك يعرفه الإنسان في حركته اليومية ويرفض الانسجام مع مكوناته المعمارية والاجتماعية .(10)
       إذن فبعد هذه الاختلالات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن سياسات ذات المقاربات القطاعية المنغلقة، برز تفكير جديد الى ساحة التداول، مفاده ضرورة اعتماد المقاربة الشمولية التكاملية بين كل القطاعات، وخاصة في مستوى تدبير المجال الحضري. هذا جاء أيضا استجابة للمنطق الحديث المعتمد على البعد التشاركي في تدبير الشأن المحلي، وذلك في أفق محاولة تحريك دواليب التنمية الحضرية.وهذا يعني ضرورة إشراك الفاعلين المحليين. سواء كانوا من الحقل السياسي، أو من ساحة المجتمع المدني، أو من عالم الاقتصاد، من أجل بلورة مخططات تدبير الشأن المحلي، ومشاريع التنمية الحضرية.
ومن بين الأسس والركائز التي تقوم عليها هذه المقاربة الشمولية، نجد ضرورة تأهيل النسيج الاقتصادي الوطني، تكوين الموارد البشرية، التدبير الحضري وسياسة المدينة، المحافظ على الموارد الطبيعية، التنمية المتسديمة، التأهيل المجالي ومناطق التدخل الخاص، تنمية العواصم الوطنية والأقطاب الجهوية، والتنمية المحلية المندمجة، تدعيم اللامركزية وتوسيع نطاق اللاتمركز، الديمقراطية، الشراكة والمشاركة.(11)
 من هنا أهمية المبادئ التي يجب أن يعتقد ويؤمن ثم يتشبع بها الفاعل في إنتاج وإعداد وتدبير المجال المديني، هي مبادئ التشاور والتشارك التي يعتبر تفعيلها مدخل استراتيجي وحتمي للوصول إلى ذوق المستهلك ونمط عيشه الحقيقي، فمبادئ من هذا النوع سيكون لتبنيها نتيجة التحكم في سيرورة التحولات التي يعرفها المجتمع، أو بمعنى أخر ستمكن من في مراحل متقدمة في عملية إنتاج المجال من الاستجابة للحاجيات المتجددة للمواطنين - الكمية والكيفية - بناء على الخصوصية الجهوية والمحلية.
في هذا المستوى من الإنتاج سنتحدث عن التهيئة الديمقراطية بدل التطبيق المعياري لتقنيات المهندس ورغبات المقاول والمستثمر على حساب الأزمة، فتفعيل فلسفة من هذا النوع سيعرب المستهلك كفاعل به بدل مفعول به، وسننتقل إلى مستوى التهيئة التشاورية-التفاوضية بدل التهيئة الإجبارية، وسيعرف اللانتاج في قاموس التعمير بالمشروع الحضري الذي يحمل في إطاره المنطقي رغبات المستهلك مترجمة في أهداف وعمليات ونتائج ومؤشرات تقييم تشاركية توافقية المجتمع، هنا ينتقل المهندس والمعماري " على الإبداع وقت وضع الخطوط والأشكال والألوان للمجال" لترجمة أولويات وحاجيات المديني هذه المقاربة ستمكن كذلك من الوصول إلى مستوى التوافق بين مختلف الفاعلين، أو بمعنى ستمكن من إعداد الأفكار ، وخلق التوازن بين ثقافة المنتج وأفكار المستهلك، وكمخرج لهذا سيتم التحكم في إشكالية المديني الجديد الذي يجذب إلى الوسط الحضري للتضارب ثقافته البدوية مع محتويات المجال الحضري، وستحد من ردة فعله التمردية ضد مكونات المجال الحضري.
إن تحقيق مدينة فعلية وتنافسية يتطلب حكامة حضرية، قوامها الإشراك والتشارك واستشراف المستقبل بناء على التوافق من أجل التوازن، وهذا يستوجب إضافة إلى ما سبق تقديمه ، اتخاذ مجموعة من المقاربات كمعتقدات وقوانين يتبناها المنتج والمستهلك للمجال المديني.
الفهم والمعرفة، التشاور والتشارك، مداخل لإعداد الأفكار وأساس لإعداد المجال، وبالتالي التأسيس لتعمير يسهم فيه الجميع ويمنح المواطن حق المشاركة الفعلية في إعداد المشروع ويمكنه من التفاعل في اتخاذ القرار والتأثير في بلورة التوجهات المتعلقة بالإنتاج والتدبير، ويرسخ الاحترافية في قطاع التعمير ويطور التخصص في ميدان التنمية الحضرية.
إن الهدف من هذه المقاربة هو إيجاد الحلول الملائمة والمستديمة لإشكالية التكتلات العمرانية، لجعلها ذات قدرة تنافسية تمكن من التعايش بين الإنسان والمجال والزمان، وتوافق بين الحداثة والارتقاء بالهوية الوطنية والخصوصية الجهوية والمحلية.
هذا يوفر إطارا مرنا للتوفيق بين الشكل والوظيفة في عمليات الإنتاج، بناء على التوافق وسيتحكم في حدة الأزمة الحضرية ويمكن من التوازن بين الإنسان والتراب، وسيكون المنتوج المديني مرآة تعكس المحتوى الثقافي والفكري للمستهلك.
أحسن ما يمكن إنتاجه في ظل هذه المبادئ هو المعمار "الديمقراطي" الذي يستطيع التوفيق بين الثقافة والفكر والحداثة بحثا عن المدينة المعبرة عن الثقافة الشعبية بواسطة الأشكال والألوان والمضمون والوظائف، و لا مناص من اعتماد المقاربة الشمولية، والتي تشرك كافة الفاعلين المحليين والاهتمام بحاجيات ورغبات المواطنين، لأن وضع المخططات والاستراتيجيات التنموية  ينبني على أساسها، يفتح هامشا واسعا من تحقق الأهداف المتوخاة منها.(12)

ان أزمة المجال ومجال الأزمة الواضح في تنافر وتمرد الإنسان على المجال، هو نتيجة وترجمة لمقاربات التطور الحضري التي تتخذ كمنهج لها التطبيق المعياري السهل لأهداف الشبكات الاقتصادية المستثمرة في إنتاج المجال على حساب الأزمة، ويليق بالقرار الإداري المتبني للمقاربات الترقيعية كحل للمشاكل، والتقني المتناسي للثقافة المحلية، مما يعطي مجالا مدينيا يعرف الوفرة في السلب، ويتدبدب بين أزمة المدينة المفروغة من المحتوى الفكري والثقافي ومدينة الأزمة التي لا يبحث المنتج عند بنائها إلا عن الصنع المربح، مقاربة يعرب الإنسان في قاموسها كمفعول به في خدمة الاقتصاد .(13)
ويمكننا القول بأن تدبير و تنمية المجال المديني اليوم يبقى رهينا لمدى اعتمادنا على مقاربات تنموية شمولية ومتعددة الأبعاد تنطلق من خصوصية كل مجال حضري على حدة، حسب امكاناته وموارده ورساميله، وذلك بالاعتماد على الفاعلين الحضريين المحليين وعلى نتائج الأبحاث العلمية حول المدينة، واشراك السكان المحليين في صياغة هذه المقاربة التشاركية من أجل بناء أقطاب حضرية، قادرة على المنافسة وتجاوز مشكلات التوسع الحضري. بالإضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار البعد التاريخي للمدينة المغربية دون إغفال كذلك العلاقة الجدلية بين المدينة والبادية.
وهكذا فإنه بدون تهيئة الإنسان لا يمكن البتة الحديث عن تهيئة للمجال الحضري، سيما وأن العلاقة بين الاثنين (الإنسان والمجال) علاقة جدلية، لا يمكن الفصل بينهما بأي حال من الأحوال. وبالتالي فإن النهوض بالأوضاع الاجتماعية للإنسان الحضري من خلال تقليص نسبة الفقر والبطالة وتوفير مناصب الشغل ومحاربة الإقصاء والتهميش... والرفع من مستوى عيشه وتوسيع خياراته وتقوية قدراته ومؤهلاته. كلها إجراءات ستجعل منه أداة فاعلة في التنمية الحضرية، وبالتالي المساهمة الفعلية في تهيئة المجال الذي ينتمي إليه.(14).



















هوامش :
ـــــــــــــــ


(1) ما هي المدينة ، درس الانتروبولوجية الحضرية، بن محمد قسطاني أستاذ بكلية الآداب و العلوم الإنسانية مكناس
(2) المهدي بنمير " المدينة المغربية أي تدبير للتنمية الحضرية؟" سلسلة اللامركزية والجماعات المحلية (1) مطبعة دار وليلي للطباعة والنشر مراكش، الطبعة الأولى، 2005
(3) الحكامة الحضرية ،عادل جعفر (مقال)
(4) إنتاج المجال: من التعمير الاجباري إلى التعمير التوافقي " جودة المجال جودة الحياة"  عادل جعفر
(5) (المرجع السابق)
(6) طلبة تدبير الادارة المحلية
(7) إنتاج المجال: من التعمير الاجباري إلى التعمير التوافقي " جودة المجال جودة الحياة"  عادل جعفر
(8) بوزيان بوشنفاتي، في التحضر والثقافة الحضرية بالمغرب: دراسة في البناء الاجتماعي لمدن الصفيح، الطبعة الأولى 1988. منشورات الحوار الأكاديميوالجامعي.

(9) إنتاج المجال: من التعمير الاجباري إلى التعمير التوافقي " جودة المجال جودة الحياة"  عادل جعفر
(10) (المرجع السابق)
(11) عبد المالك ورد، الفاعل المحلي، وسياسة المدينة بالمغرب، الطبعة الأولى،2006،
(12) الميثاق الوطني لإعداد التراب الوطني،2002
(13) إنتاج المجال: من التعمير الاجباري إلى التعمير التوافقي " جودة المجال جودة الحياة"  عادل جعفر
(14)تقرير الخمسينية، المغرب الممكن، من أجل طموح مشترك، الطبعة الأولى، 2005.